مع استمرار الجمود بين حزب الوسط وحزب اليسار بشأن شكل الحكومة السويدية المقبلة، يرى خبراء أن المفاوضات قد تصل في نهاية المطاف إلى لحظة يصبح فيها الحديث عن «تحمل المسؤولية» هو الوسيلة التي تسمح لأحد الطرفين بالتراجع عن خطوطه الحمراء التي أعلنها قبل الانتخابات.
وقال مستشار العلاقات العامة كاسبر شابر، في حديث نقلته منصة أومني، إنه إذا استمرت عملية تشكيل الحكومة لعدة أشهر من دون حل، فسيتغير الخطاب السياسي تدريجيًا، وستبدأ الأحزاب في الحديث بصورة متزايدة عن «المسؤولية».
وبحسب شابر، يمكن لهذا الخطاب أن يوفر للحزب الذي يتراجع عن موقفه نوعًا من «باب الطوارئ» السياسي، بحيث يستطيع القول إن البديل كان إدخال السويد في أزمة أو فوضى سياسية، وإنه اضطر لذلك إلى اتخاذ قرار لم يخض الانتخابات على أساسه لكنه أصبح الخيار الأكثر مسؤولية تجاه البلاد.
وهذه القراءة تكتسب أهمية خاصة بسبب المأزق الذي تواجهه الأحزاب الأربعة التي دعمت ماغدالينا أندرسون لرئاسة الحكومة.
فالوسط لا يزال يرفض بصورة قاطعة مشاركة حزب اليسار في الحكومة المقبلة، فيما يصر اليسار على أن حصول أندرسون على أصوات نوابه يجب أن يقابله دخول الحزب إلى الحكومة والحصول على مناصب وزارية.
وفي مواجهة تلفزيونية جديدة مساء الثلاثاء، كرر الأمين العام للوسط هانس هيرفيو أن حزبه «بالتأكيد» لا يريد الجلوس في حكومة مع اليسار.
ورسم هيرفيو ثلاثة مسارات أمام السويد: استمرار حكومة تعتمد على ديمقراطيي السويد، أو حكومة يدخلها حزب اليسار، أو خيار وسطي تجلس فيه أحزاب الوسط والاشتراكيون الديمقراطيون وأحزاب أخرى معًا وتتحمل المسؤولية.
في المقابل، لم يغلق حزب اليسار الباب أمام التعاون مع الوسط. القيادية إيدا غابريلسون ردت بأن السؤال الحقيقي ليس فقط دخول اليسار الحكومة، بل ما السياسة التي يريد الوسط تنفيذها مع حكومة تقودها ماغدالينا أندرسون، متسائلة عن موقفه من وعود الاشتراكيين الديمقراطيين بشأن يوم الانتظار المرضي وأرباح شركات الرفاه.
الخطوط الحمراء ما زالت قائمة
حتى مساء الثلاثاء، لم يكسر أي من الحزبين خطه الأحمر رسميًا.
حزب الوسط دخل الانتخابات معلنًا أنه لا يريد في الحكومة لا حزب اليسار ولا ديمقراطيي السويد. وبعد الانتخابات أصبح موقفه من الجانب الأخير أكثر وضوحًا، إذ قال إن مشروع تيدو خسر الانتخابات، وإنه لن يدعم حكومة تعتمد على SD حتى إذا بقي الحزب خارجها رسميًا. ويركز الوسط بدلًا من ذلك على التفاوض مع الاشتراكيين الديمقراطيين.
وفي الوقت نفسه، يتمسك الحزب باستبعاد اليسار من الحكومة.
أما اليسار، فكان قد اتخذ قرارًا حزبيًا بالمطالبة بحقائب وزارية إذا كانت مقاعده ضرورية لتمرير الحكومة، لكنه بدأ خلال الأيام الأخيرة باستخدام لغة أكثر انفتاحًا على المفاوضات.
إيدا غابريلسون دعت الوسط علنًا إلى الجلوس إلى طاولة واحدة، وقالت إن على الحزبين التوقف عن مناقشة خلافاتهما عبر استديوهات التلفزيون والبدء في مفاوضات فعلية. وأضافت أن «أحلام» الطرفين قبل الانتخابات لم تعد ممكنة بالشكل الذي أراده كل منهما.
من الأكثر احتمالًا للتراجع؟
عدد من المحللين الذين تحدثوا خلال الساعات الأخيرة يرجحون أن حزب اليسار هو الطرف الذي قد يضطر في النهاية إلى تخفيف مطلبه بالمشاركة الحكومية.
والفكرة المطروحة هي أن يبقى الحزب خارج الحكومة، لكنه يحصل مقابل ذلك على اتفاق سياسي ومكاسب في ملفات مهمة، وربما على آليات تمنحه نفوذًا أكبر في عمل الحكومة.
لكن هذه النتيجة ليست مضمونة.
فإذا تنازل حزب اليسار عن مطلب الحقائب الوزارية، سيحتاج إلى أن يثبت لناخبيه أنه حصل مقابل ذلك على مكاسب سياسية كبيرة بما يكفي لتبرير التراجع.
وهنا تحديدًا يصبح حزب الوسط أمام مشكلة أخرى: كل مكسب سياسي يحصل عليه اليسار قد يكون في ملفات تختلف فيها سياسة الحزبين جذريًا، خصوصًا الضرائب والاقتصاد وسوق العمل والرفاه وأرباح الشركات.
«المسؤولية» قد تصبح كلمة السر
ولهذا يرى شابر أن عامل الوقت قد يغيّر طبيعة النقاش.
في الأيام الأولى بعد الانتخابات تستطيع الأحزاب الدفاع عن خطوطها الحمراء بسهولة، لكن إذا دخلت السويد أسابيع أو أشهر من المفاوضات الفاشلة وبدأ احتمال الانتخابات الإضافية يقترب، ستزداد الضغوط على الأحزاب التي تمنع التوصل إلى حل.
عندها يمكن لحزب ما أن يقول لناخبيه إنه لم يتراجع لأنه غيّر موقفه، وإنما لأنه اضطر إلى «تحمل المسؤولية» ومنع البلاد من الدخول في مأزق سياسي.
وبهذا المعنى قد تتحول كلمة المسؤولية من شعار عام إلى الأداة التي تسمح بكسر أحد الوعود الانتخابية الأساسية.
وظهر شيء من هذه اللغة بالفعل في تصريحات حزب الوسط.
ففي المواجهة مع اليسار، تحدث هيرفيو عن ضرورة أن تجلس «الأحزاب المسؤولة» معًا، كما قال في مناسبة أخرى إن إجراء انتخابات إضافية بسبب عدم قدرة الأحزاب على الاتفاق سيكون «فشلًا كبيرًا».
واليسار يستخدم بدوره لغة مشابهة، لكنه يحاول تحويل الضغط نحو الوسط، معتبرًا أن الأحزاب التي دعمت أندرسون لرئاسة الوزراء يجب أن تتحمل مسؤولية إيجاد حل معًا.
الانتخابات الإضافية ورقة ضغط أكثر منها رغبة
هناك سبب آخر يجعل احتمالات التنازل أكبر مع مرور الوقت.
فالانتخابات الإضافية ليست بالضرورة خيارًا جذابًا للأحزاب حتى لو استخدم بعضها التهديد بها.
إضافة إلى المخاطر السياسية وعدم ضمان تكرار النتيجة نفسها، فإن جولة انتخابية جديدة تعني حملة جديدة ونفقات كبيرة، في وقت تختلف فيه الإمكانات المالية للأحزاب بعد الحملة التي انتهت للتو.
كما أن الحزب الذي سيُحمّل الرأي العام مسؤولية إفشال تشكيل الحكومة قد يدخل الانتخابات الإضافية من موقع سياسي صعب.
لذلك يتوقع عدد من المراقبين أن يصبح الضغط لتقديم تنازلات أكبر بكثير كلما اقتربت المفاوضات من طريق مسدود.
أندرسون تستطيع الانتظار
هذه المعادلة تمنح ماغدالينا أندرسون وضعًا خاصًا.
فبدل أن تختار فورًا بين الوسط واليسار، يستطيع الاشتراكيون الديمقراطيون محاولة وضع الضغط على الحزبين لإيجاد تسوية بين مطالبهما.
وبحسب النتيجة الأولية، لا تستطيع أندرسون تجاهل أي منهما بسهولة إذا أرادت الاعتماد على الكتلة التي تقدمت في الانتخابات.
ولهذا قد تتمثل الاستراتيجية في الانتظار حتى يبدأ أحد الحزبين في البحث عن صيغة تمكنه من التراجع من دون خسارة ماء الوجه.
واللافت أن حزب اليسار أرسل سابقًا أيضًا رسالة مهمة بشأن أندرسون نفسها. نوشي دادغوستار قالت قبل الانتخابات إن حزبها لن يسقط حكومة تقودها ماغدالينا أندرسون وإن الأحزاب «ستجد حلًا»، رغم وجود قرار الحزب بالمطالبة بالمشاركة الحكومية.
وهذا يجعل السؤال أقل تعلقًا بما إذا كانت أندرسون تستطيع في النهاية المرور، وأكثر تعلقًا بالثمن السياسي الذي سيحصل عليه اليسار والوسط مقابل السماح بذلك.
حتى الآن ما زال الطرفان متمسكين رسميًا بشروطهما، لكن إذا طالت المفاوضات فإن الجملة التي قد نسمعها من الحزب الذي يتراجع أصبحت معروفة مسبقًا تقريبًا:
«كان علينا أن نتحمل المسؤولية من أجل السويد».
المصدر: Omni


























