تشهد مناطق شمال وشمال شرق سوريا تحولا دراماتيكيا في موازين القوى، مع تراجع نفوذ قوات سوريا الديمقراطية وتقدم قوات السلطة الحاكمة الجديدة في دمشق نحو مناطق كانت لسنوات خارج سيطرتها الفعلية. هذا التحول المتسارع لا يعيد رسم خريطة السيطرة فقط، بل يفتح الباب أمام أخطر ملف أمني ظل مؤجلا منذ هزيمة تنظيم داعش عسكريا: السجون والمخيمات التي تضم آلاف من عناصر التنظيم وعائلاتهم.
خلال الأيام الماضية، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من عدد من مواقع الاحتجاز، بما في ذلك سجون لعناصر داعش ومخيم الهول سيئ الصيت، في ظل اشتباكات عنيفة وانهيار اتفاقات تهدئة سابقة. هذا الانسحاب ترافق مع تقارير عن فرار محتمل لمعتقلين، ما أثار مخاوف واسعة من إعادة تنشيط خلايا التنظيم في منطقة لم تلتقط أنفاسها بعد من حرب طويلة.
التطورات الميدانية دفعت وزارة الخارجية السويدية إلى إعلان متابعتها الحثيثة لمصير مواطنين سويديين يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش، وسط غموض يلف أماكن وجودهم بعد انسحاب الحراسة السابقة من بعض مواقع الاحتجاز. القلق السويدي لا يقتصر على البعد الأمني الداخلي، بل يمتد إلى خطر عودة التنظيم للظهور مستفيدا من الفوضى الأمنية وتغير خطوط السيطرة.
الصحافة السويدية تصف ما يجري بأنه أحد أكبر التحولات منذ سنوات، حيث كانت الإدارة الذاتية الكردية تسيطر في السابق على نحو ثلث مساحة البلاد، قبل أن تبدأ بالانكماش السريع تحت ضغط عسكري وسياسي متزامن. ومع كل منطقة تنسحب منها قوات سوريا الديمقراطية، تتقدم قوات دمشق لتملأ الفراغ، في مشهد يعكس نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر غموضا.
ورغم الإعلان عن وقف إطلاق نار جديد، إلا أن الميدان لا يوحي بالاستقرار. التهدئة تبدو هشة، والاتهامات المتبادلة بخرقها مستمرة، فيما تبقى المخاوف قائمة من أن يكون تنظيم داعش المستفيد الأكبر من هذا الصراع، مستغلا الفوضى وانشغال الأطراف المتصارعة ببعضها.
التحول لا يحمل بعدا عسكريا فقط، بل سياسيا أيضا. فالتراجع الواضح للدعم الدولي لقوات سوريا الديمقراطية يضعها أمام خيارات محدودة، أبرزها التفاوض مع دمشق من موقع أضعف، أو المخاطرة بفقدان ما تبقى من نفوذها. وفي المقابل، تسعى السلطة الجديدة في سوريا إلى تثبيت سيطرتها على الموارد الحيوية في الشمال، وعلى رأسها المناطق الغنية بالنفط والغاز، إلى جانب ملف السجون والمخيمات الذي بات ورقة ضغط إقليمية ودولية.
ما يجري اليوم في شمال سوريا لا يشبه مجرد تقدم عسكري أو انسحاب تكتيكي، بل يشير إلى إعادة ترتيب شاملة للمشهد السوري، حيث تختلط حسابات الأمن الدولي بمصالح القوى المحلية، فيما يقف المدنيون ومخيمات النازحين والمعتقلين في قلب عاصفة مفتوحة على كل الاحتمالات.


























