طفل في التاسعة من عمره، مختف منذ شهور، لم يكن في مدرسة أخرى كما قيل، ولم يكن في مؤسسة علاجية كما ظن البعض، بل كان على بعد أمتار قليلة من منزل أسرته، محبوسا داخل شاحنة وممددا فوق القاذورات والفضلات في واحدة من أكثر القضايا صدمة التي هزت فرنسا في الساعات الأخيرة. وتشير التفاصيل التي أوردتها قناة tv4 السويدية استنادا إلى تقارير فرنسية، وأكدتها وكالة أسوشيتد برس، إلى أن الشرطة عثرت على الطفل يوم الاثنين في بلدة هاغنباخ بمنطقة الألزاس، بعدما أبلغ أحد الجيران عن سماع أصوات طفل تخرج من مركبة متوقفة قرب منزل سكني.
وعندما فتحت الشرطة الشاحنة، وجدت الطفل في وضع مأساوي يصعب تخيله: كان منكمشا في وضعية جنينية، شبه عار، تغطيه بطانية، ومحاطا بأكوام من النفايات وبالقرب من الفضلات. ووفق المعطيات التي نقلتها السلطات، كان يعاني من سوء تغذية واضح، ولم يعد قادرا على المشي بعدما بقي لفترة طويلة جدا في وضعية جلوس أو انكماش داخل هذا المكان الضيق. كما قال الطفل للمحققين إنه لم يستحم منذ نهاية عام 2024، وإنه كان يضطر إلى التبول في قوارير وقضاء حاجته في أكياس داخل الشاحنة نفسها.
الأكثر إثارة للذهول أن هذا الاحتجاز لم يكن لساعات أو أيام، بل منذ نوفمبر 2024، حين كان الطفل في السابعة من عمره. وبحسب ما كشفه الادعاء الفرنسي، فإن الأب، البالغ 43 عاما، اعترف بأنه هو من وضع ابنه داخل الشاحنة، مدعيا أنه فعل ذلك “لحمايته” بعدما أرادت شريكته إرساله إلى مصحة نفسية. لكن هذه الرواية سرعان ما أثارت مزيدا من الأسئلة، لأن التحقيقات الأولية لم تجد ما يشير إلى وجود ملف طبي نفسي للطفل، كما أن أداءه الدراسي قبل اختفائه كان جيدا، ما ينسف جزءا أساسيا من مبررات الأب.
وبحسب ما نقلته أسوشيتد برس عن المدعي العام، فإن الأصدقاء والأقارب وحتى المدرسة كانوا قد تلقوا تفسيرات مضللة عن غياب الطفل. بعضهم اعتقد أنه نقل إلى مؤسسة نفسية، فيما أبلغت المدرسة بأنه انتقل إلى مؤسسة تعليمية أخرى. هذه التفاصيل تعطي القضية بعدا أكثر خطورة، لأنها تشير إلى أن اختفاء الطفل لم يكن مجرد حادثة أسرية مخفية، بل جرى تغطيته بسلسلة من الروايات التي أبعدت الشبهات عنه لفترة طويلة.
الجيران، الذين عاشوا على مقربة من المنزل والشاحنة، بدوا مصدومين إلى حد عدم التصديق. إحدى الجارات قالت، وفق ما نقلته قناة بي إف إم الفرنسية وأوردته تي في 4، إنها لا تستوعب ما جرى، وإن ما حدث “مرعب” و”لا توجد كلمات لوصفه”. وجارة أخرى تحدثت عن صدمتها من فكرة أن الطفل كان يعيش بتلك الطريقة داخل مركبة متوقفة على مقربة من الجميع، بينما قال أحد السكان إن الأسرة كانت معروفة في الحي بشكل عادي، وكان الناس يلتقون بها أثناء المشي أو في الحياة اليومية، من دون أن يتخيل أحد ما كان يحدث في الخفاء.
السلطات الفرنسية سارعت إلى توقيف الأب، ووجهت إليه اتهامات أولية تشمل الخطف وعدم توفير الغذاء الكافي للطفل، بينما وُجهت إلى شريكته تهمة أولية تتعلق بعدم مساعدة قاصر في وضع خطر، قبل أن يفرج عنها تحت الرقابة القضائية. كما جرى نقل الطفل إلى المستشفى، ووضع شقيقته البالغة 12 عاما وابنة الشريكة البالغة 10 أعوام تحت رعاية الخدمات الاجتماعية إلى حين استكمال التحقيقات والمحاكمة. ولا يقتصر التحقيق الآن على ما فعله الأب وحده، بل يمتد أيضا إلى سؤال أكثر إزعاجا: هل كان أحد آخر يعلم أن الطفل محتجز هناك طوال هذه المدة؟
القضية لم تعد مجرد خبر جنائي عابر في فرنسا، بل تحولت إلى صدمة عامة بسبب قسوة التفاصيل، ولأن الطفل لم يكن مخفيا في مكان بعيد أو ناء، بل كان محبوسا قرب المنزل نفسه، على بعد خطوات من حياة بدت عادية في ظاهرها، فيما كان هو يعيش جحيما صامتا داخل شاحنة مغلقة.
























