دال ميديا: لم تَعُد ساحة المعركة محصورة بالمدافع والصواريخ، بل امتدت إلى فضاء الإنترنت حيث تخوض موسوعة ويكيبيديا، أضخم موسوعة رقمية في العالم، حربًا من نوع آخر: حرب الكلمات والروايات.
فبينما تصف النسخة العربية من ويكيبيديا القتلى الفلسطينيين بـ”الشهداء”، تميل النسخة العبرية إلى استخدام مصطلحات تُبرزهم على أنهم “إرهابيون”. أما النسخة الإنجليزية، فتتأرجح بين محاولات الحياد الأكاديمي وصعوبة الانفلات من تأثير السرديات المتناقضة. هذا التباين اللغوي يفضح كيف تتحول ويكيبيديا، التي يُنظر إليها كمنصة معرفية عالمية محايدة، إلى مرآة تعكس الانقسامات السياسية والثقافية للشعوب.
معركة على السرديات
الجدل لا يتعلق بمجرد اختيار كلمات، بل بمغزى أعمق: كيف يُكتب التاريخ ومن يملك سلطة السرد؟ في الحالة العربية، تغلب على المقالات عبارات تحمل بعدًا وجدانيًا وإنسانيًا يصف الضحايا باعتبارهم ضحايا عدوان أو مقاومين. في المقابل، يُعيد الجانب العبري تأطير الرواية بالكامل في سياق أمني يركز على “الإرهاب” و”التهديد”. أما المقالات الإنجليزية فتتأثر بالضغوط المستمرة من جهات مؤيدة للطرفين، وهو ما يجعلها ساحة صراع تحريرية مستمرة يصعب ضبطها.
حياد ويكيبيديا تحت المجهر
ورغم أن ويكيبيديا تُدار وفق مبادئ “الحياد” و”المصادر الموثوقة”، إلا أن الواقع يختلف. فالموسوعة تُكتب من قبل متطوعين في أنحاء العالم، وغالبًا ما يطغى على التحرير موقف المجتمع اللغوي أو السياسي المهيمن. وهذا ما يفسر كيف تتحول صفحة واحدة عن “حرب غزة” إلى ثلاثة نصوص مختلفة كليًا، تبعًا للغة القارئ.
البعد الأعمق: الحرب على الذاكرة
الخبراء يشيرون إلى أن هذه الظاهرة ليست مسألة لغوية فحسب، بل معركة على الذاكرة الجمعية. فالمقال الذي يقرأه شاب عربي سيترك انطباعًا مختلفًا تمامًا عما يقرأه نظيره الإسرائيلي أو الأميركي. وهكذا تصبح ويكيبيديا، بدلًا من أن تكون مصدرًا موحّدًا للمعلومة، أداةً لإعادة إنتاج الانقسامات.
انعكاسات سياسية وإعلامية
هذا التباين يطرح أسئلة خطيرة: كيف يمكن للجيل القادم أن يبني تصوراته عن الصراع إذا كان المرجع ذاته يقدّم ثلاث روايات متناقضة؟ وهل يمكن اعتبار ويكيبيديا مرجعًا معرفيًا حياديًا، أم أنها جزء من “ساحة النفوذ” التي تُستخدم لتثبيت الروايات السياسية؟
المصدر: SVT

























