تحولت قضية الإعانات الاجتماعية والاعتماد على الدولة إلى واحدة من أكثر القضايا حضورًا في النقاش السياسي السويدي خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في سياق الحديث عن الهجرة والاندماج وما تصفه الحكومة بـ«الاعتماد على الإعانات» و«الإقصاء الاجتماعي».
وتدفع الحكومة حاليًا بحزمة واسعة من الإصلاحات تشمل سقفًا لبعض الإعانات، وتشديد شروط الاستحقاق، وفرض متطلبات نشاط على بعض متلقي دعم المعيشة، في وقت كثيرًا ما تُربط فيه هذه السياسات بضرورة دفع المزيد من الأشخاص، ومن بينهم مهاجرون، إلى سوق العمل.
لكن ماذا تقول الأرقام نفسها؟ وهل حجم الاعتماد على المساعدات في السويد استثنائي بالفعل؟ وهل الصورة التي ترسمها بعض الخطابات السياسية عن أعداد كبيرة تعيش على الإعانات تتطابق مع الإحصاءات الرسمية؟
مراجعة دال ميديا لبيانات هيئة الرعاية الاجتماعية Socialstyrelsen، وهيئة الإحصاء SCB، ومكتب العمل Arbetsförmedlingen، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD والمفوضية الأوروبية تكشف أن الواقع أكثر تعقيدًا: هناك مشكلة حقيقية وواضحة في اندماج أجزاء من السكان المولودين خارج السويد في سوق العمل، لكن الأرقام لا تعني في الوقت نفسه أن نسبة ضخمة من سكان البلاد تعيش بشكل دائم على ما يعرف شعبيًا بـ«السوسيال».
247 ألف شخص حصلوا على المساعدة الاقتصادية خلال عام
بحسب أحدث إحصاءات Socialstyrelsen المنشورة في يونيو/حزيران 2026، حصل نحو 247 ألف شخص في السويد على ekonomiskt bistånd، أي المساعدة الاقتصادية التي تقدمها البلديات، في مرحلة ما خلال عام 2025.
ومن هؤلاء نحو 86 ألف امرأة و88 ألف رجل و73 ألف طفل، فيما بلغ عدد الأسر التي تلقت الدعم نحو 142 ألف أسرة. ودفعت البلديات أكثر من 11.2 مليار كرونة خلال العام.
كما تظهر الإحصاءات أن نحو 57% من البالغين المستفيدين كانوا مولودين خارج السويد. وهذه نسبة مرتفعة مقارنة بحصة المولودين خارج البلاد من إجمالي السكان، ما يؤكد وجود تمثيل زائد لهذه المجموعة بين متلقي المساعدة الاقتصادية.
لكن هذا الرقم يحتاج إلى تفسير مهم: الـ247 ألف شخص ليسوا بالضرورة أشخاصًا عاشوا على المساعدة طوال العام. يكفي أن يحصل الشخص على الدعم خلال جزء من السنة حتى يدخل في هذا العدد.
وهنا يظهر سبب جزء كبير من الالتباس في النقاش العام.
74 ألفًا وليس 247 ألفًا إذا قيس الاعتماد بسنة كاملة
تستخدم SCB طريقة أخرى لقياس حجم الاعتماد على الإعانات، تسمى helårspersoner أو helårsekvivalenter، أي تحويل فترات الاستفادة المختلفة إلى ما يعادل أشخاصًا يحصلون على التعويض لمدة عام كامل.
فعلى سبيل المثال، شخصان يتلقيان التعويض لمدة ستة أشهر لكل منهما يعادلان شخصًا واحدًا في هذا المقياس.
وبهذه الطريقة بلغ ekonomiskt bistånd خلال 2025 ما يعادل 74,008 أشخاص لسنة كاملة، أو 1.2% من السكان في سن العمل. وارتفع هذا الرقم بنسبة محدودة بلغت 0.6% مقارنة بعام 2024.
وهذا يفسر أيضًا الرقم المتداول أحيانًا بأن «0.7% فقط من سكان السويد يعيشون على السوسيال». فالرقم يمكن الوصول إليه تقريبًا إذا قُسمت 74 ألف وحدة سنوية على إجمالي سكان السويد، لكنه ليس المقياس الرسمي الذي تستخدمه SCB؛ إذ تقارن الهيئة الرقم بالسكان في سن العمل، وتضع النسبة عند 1.2%.
بعبارة أخرى: القول إن نحو 247 ألف شخص لمسوا نظام المساعدة الاقتصادية خلال العام صحيح، والقول إن حجم الاستفادة يعادل نحو 74 ألف شخص لسنة كاملة صحيح أيضًا. لكن الرقمين يجيبان عن سؤالين مختلفين.
وماذا عن رقم 728 ألف شخص؟
من الأرقام التي تستخدم كثيرًا أيضًا الرقم 728,802.
لكن هذا الرقم لا يمثل الأشخاص الذين يعيشون على socialbidrag.
إنه مجموع ما تعادلهم عدة أنظمة مختلفة خلال 2025، وتشمل المرض والعجز والبطالة وبرامج سوق العمل والمساعدة الاقتصادية وتعويض الاندماج.
وكان التوزيع وفق SCB كالتالي: 163,674 في sjukpenning، و215,757 في sjuk- och aktivitetsersättning، و105,364 في تعويضات البطالة، و159,810 في برامج سوق العمل، و74,008 في ekonomiskt bistånd، و10,191 في etableringsersättning. ويعادل المجموع 11.9% من السكان في سن العمل.
والأهم أن الاتجاه التاريخي لا يشير إلى انفجار مستمر في هذه الأرقام. تقول SCB إن عدد الأشخاص المكافئين لسنة كاملة الذين يعتمدون على هذه الأنظمة مجتمعة يسير في اتجاه هبوطي طويل الأمد، وقد بلغ في 1994 أكثر من 1.15 مليون، مقابل مستوى أدنى بكثير اليوم. وبعد ارتفاع محدود في 2024 عاد الإجمالي للانخفاض في 2025.
وهذه نقطة مهمة لأن الحديث السياسي عن «تزايد الاعتماد على الإعانات» لا يمكن تطبيقه بصورة واحدة على كل أنواع الدعم أو على كل الفترات الزمنية.
لكن مشكلة اندماج المهاجرين في سوق العمل حقيقية
إذا كانت أرقام المساعدات الاقتصادية أقل دراماتيكية مما قد يوحي به بعض الخطاب العام، فإن ذلك لا يعني أن مشكلة الاندماج الاقتصادي غير موجودة.
العكس صحيح.
أحدث تقرير للمفوضية الأوروبية عن السويد، المنشور في يونيو/حزيران 2026، يشير إلى أن السويد سجلت في 2024 أعلى معدل بطالة في الاتحاد الأوروبي بين المولودين خارج الاتحاد الأوروبي، عند 19.3%، بفارق 13.6 نقطة مئوية عن المجموعة المقارنة.
وتظهر أرقام OECD بدورها فجوة واضحة.
ففي بيانات المقارنة لعام 2023، بلغت نسبة التشغيل بين المولودين خارج الاتحاد الأوروبي في السويد نحو 67%، وهي مماثلة تقريبًا للنرويج، وأقل بقليل من الدنمارك التي بلغت فيها النسبة 68%، بينما سجلت فنلندا نحو 65%. وفي المقابل كانت نسبة تشغيل المولودين داخل دول الاتحاد والمقيمين في السويد مرتفعة جدًا، عند نحو 83%.
وهذا التفصيل بالغ الأهمية، لأنه يكشف أن الحديث عن «المهاجرين» كمجموعة اقتصادية واحدة مضلل.
فنتائج مهاجر قادم للعمل من دولة أوروبية تختلف كثيرًا عن لاجئ وصل بعد حرب أو اضطر إلى بدء حياته المهنية من جديد، كما تختلف النتائج بحسب التعليم واللغة ومدة الإقامة والعمر والجنس.
السويد ليست الأسوأ في كل شيء.. لكنها تعاني فجوة كبيرة
تقرير OECD الشامل عن اندماج المهاجرين في دول الشمال الأوروبي يخلص إلى صورة مزدوجة.
من جهة، معدلات تشغيل المهاجرين في بلدان الشمال عمومًا مرتفعة دوليًا. لكن من جهة أخرى، فإن الفجوة بين المولودين خارج الاتحاد الأوروبي والمولودين محليًا من الأكبر في السويد والنرويج، ولا تتجاوزها في مجموعة المقارنة سوى ألمانيا وهولندا.
ويشير OECD إلى عدة أسباب محتملة، منها المستويات العالية للمهارات المطلوبة في سوق العمل الاسكندنافي، وارتفاع نسبة الهجرة الإنسانية في بعض الدول، وكذلك ارتفاع معدلات تشغيل السكان المحليين أساسًا، ما يجعل الفجوة أكبر حسابيًا.
والسويد تختلف أيضًا في تركيبة الهجرة نفسها.
بحسب OECD، استقبلت السويد خلال العقد السابق نسبة أعلى من المهاجرين لأسباب إنسانية مقارنة بدول كثيرة في مجموعة المقارنة. وبين تدفقات الهجرة الدائمة في الفترة التي درسها التقرير، بلغت حصة الهجرة الإنسانية في السويد نحو 23%، وهي الأعلى في مجموعة المقارنة وحتى أعلى من ألمانيا بثلاث نقاط مئوية.
وهذه الخلفية مهمة عند مقارنة السويد بالدنمارك أو فنلندا أو دول أوروبية أخرى، لأن مقارنة معدلات التشغيل أو الإعانات دون مقارنة نوعية المهاجرين وأسباب الهجرة قد تؤدي إلى استنتاجات خاطئة.
التعليم واللغة جزء كبير من الفجوة
يشير OECD في تقريره الاقتصادي عن السويد لعام 2025 إلى وجود فروق كبيرة في المهارات القرائية بين المولودين في السويد وبعض مجموعات المهاجرين.
ويخلص التحليل إلى نقطة مهمة: عندما تؤخذ عوامل مثل التعليم والمهارات القرائية والخلفية الشخصية في الحسبان، فإن الفارق في احتمال الحصول على وظيفة بين المولودين في السويد والمهاجرين القادمين من خارج أوروبا وأميركا الشمالية يصبح غير ذي دلالة إحصائية في النموذج المستخدم.
وهذا لا يعني أن التمييز أو عوامل أخرى غير موجودة، لكنه يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من المشكلة مرتبط أيضًا بامتلاك المهارات المطلوبة في سوق العمل السويدي.
وتظهر البيانات كذلك أن المهاجرين القادمين من خارج أوروبا وأميركا الشمالية يكسبون في المتوسط 17% أقل من المولودين في السويد، وهي فجوة يربط OECD جزءًا منها بالتعليم واللغة وصعوبة معادلة المؤهلات الأجنبية وطبيعة الهجرة الإنسانية.
وهناك جانب آخر غالبًا ما يغيب عن النقاش
مقارنة OECD بين دول الشمال تظهر أيضًا بعض النتائج الإيجابية في السويد.
فبين المهاجرين ذوي التعليم العالي، تبرز السويد بأعلى نسبة تقريبًا من الأشخاص العاملين في وظائف عالية المهارة بغض النظر عن بلد المنشأ، وهو ما يربطه التقرير جزئيًا بالاستثمار في التعليم وتطوير المهارات ودراسة المؤهلات وتعليم اللغة.
وبين اللاجئين والمهاجرين لأسباب إنسانية الذين أقاموا في البلاد خمس سنوات أو أكثر، قال نحو 53% إنهم وصلوا إلى مستوى متقدم في اللغة السويدية، وهي نتيجة مرتفعة ضمن مجموعة الدول التي قارنها OECD.
أي أن الصورة ليست خطًا واحدًا من الفشل أو النجاح، بل نتائج متفاوتة جدًا بحسب المجموعة التي تتم دراستها.
الفقر بين المهاجرين يكشف جانبًا أكثر قتامة
في المقابل، لا يمكن تجاهل المؤشرات الاجتماعية.
يقول OECD إن شبكات الحماية الاجتماعية القوية في بلدان الشمال تبقي معدلات الفقر الإجمالية منخفضة نسبيًا مقارنة بكثير من الدول الأوروبية، إلا أن المهاجرين يواجهون خطر فقر أعلى من المولودين محليًا.
وفي المقارنة الخاصة بالمهاجرين جاءت السويد في الجانب المرتفع من المجموعة الأوروبية المدروسة، كما ارتفع معدل الفقر النسبي بين المهاجرين في السويد بنحو خمس نقاط مئوية خلال العقد الذي سبق بيانات 2023، بالتزامن مع استقبال أعداد كبيرة من طالبي اللجوء.
كما يشير التقرير إلى أن 26% من المهاجرين في السويد يتحملون أعباء سكنية مرتفعة، وأن مشكلة الاكتظاظ أكثر انتشارًا بينهم، وخصوصًا بين المولودين خارج الاتحاد الأوروبي.
وهذا يوضح أن السؤال لا يتعلق فقط بما تدفعه الدولة من مساعدات، بل أيضًا بما إذا كان الأشخاص الذين يعملون أو يعيشون خارج نظام المساعدة قادرين بالفعل على الوصول إلى مستوى اقتصادي قريب من بقية المجتمع.
الحكومة تتحرك الآن نحو نظام أكثر تشددًا
النقاش لم يعد نظريًا.
منذ الأول من يوليو/تموز 2026 دخلت أجزاء من إصلاح الحكومة لنظام المساعدات مرحلة التنفيذ. ومن أبرزها aktivitetskrav، أي متطلبات النشاط لمتلقي försörjningsstöd.
وتنص القواعد على أن من يتلقى الدعم لمدة ثلاثة أشهر متصلة ويكون قادرًا على المشاركة يمكن أن يُطلب منه القيام بأنشطة تهدف إلى تقريبه من سوق العمل، وتحسين اللغة أو القدرة على البحث عن وظيفة، وفي الظروف العادية يمكن أن تصل هذه الأنشطة إلى دوام كامل. ويمكن خفض أو رفض استمرار الدعم لمن يمتنع دون سبب مقبول.
كما قدمت الحكومة مقترحات إضافية لإصلاح försörjningsstöd، بينها سقف للدعم وتعديلات أخرى من المقرر أن تدخل أجزاء منها حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2027، بينما دخلت بعض القواعد المتعلقة بإثبات المرض حيز التنفيذ في يوليو/تموز 2026.
وتبرر الحكومة هذه السياسة بالحاجة إلى جعل العمل أكثر جدوى اقتصاديًا وتقليل الاعتماد الطويل على الإعانات. وهذه حجة سياسية للحكومةوليست نتيجة تستخلصها الهيئات الإحصائية نفسها، ولذلك ينبغي الفصل بين البيانات والتفسير السياسي لها.
فهل بالغ النقاش السياسي في حجم المشكلة؟
الأرقام لا تقدم جوابًا بنعم أو لا ببساطة.
إذا كان الادعاء هو أن أعدادًا هائلة من المهاجرين تعيش بصورة دائمة على socialbidrag، فإن الإحصاءات الرسمية لا تدعم هذه الصورة المبسطة. فالمساعدة الاقتصادية في 2025 بلغت ما يعادل 74 ألف مستفيد لسنة كاملة، أي 1.2% من السكان في سن العمل، فيما تشمل نسبة 57% من المولودين خارج السويد فقط البالغين الذين حصلوا على هذه المساعدة وليست 57% من المهاجرين في البلاد.
أما إذا كان الادعاء أن السويد تعاني مشكلة حقيقية في إدماج بعض مجموعات المهاجرين في سوق العمل وأن هذه المجموعات ممثلة بصورة أكبر بين متلقي المساعدة الاقتصادية، فإن الأرقام تدعم ذلك بوضوح.
وفي الحقيقة، قد تكون مشكلة سوق العمل أكبر من مشكلة socialbidrag نفسها.
فارتفاع البطالة بين المولودين خارج الاتحاد الأوروبي، والفجوات في التشغيل والدخل والمهارات والفقر، كلها مؤشرات على أن السويد لم تنجح حتى الآن في تحويل كامل إمكانات جزء من السكان المهاجرين إلى مشاركة اقتصادية مستقرة. وفي الوقت نفسه، تظهر المقارنات الدولية أن أداء السويد ليس سيئًا على جميع المؤشرات، وأن تركيبة الهجرة الإنسانية الكبيرة نسبيًا تجعل المقارنة المباشرة مع دول أخرى أكثر تعقيدًا.
الخلاصة
الحقيقة الإحصائية تقع بين روايتين مبسطتين.
الأولى تقول إن «المهاجرين يعيشون على الإعانات»، وكأن ذلك وصف لغالبية المهاجرين في السويد. وهذه صورة لا تدعمها البيانات.
والثانية تقول إن الحديث عن مشكلة الاعتماد على الإعانات والاندماج الاقتصادي لا أساس له. وهذه أيضًا لا تدعمها البيانات.
الواقع أن نسبة الاعتماد المباشر على المساعدة الاقتصادية محدودة قياسًا إلى مجموع السكان، لكنها أعلى بوضوح بين المولودين خارج السويد، بينما تكمن المشكلة الأكبر والأكثر وضوحًا في الفجوة في سوق العمل، وخصوصًا بالنسبة للمولودين خارج الاتحاد الأوروبي.
وهذه الفجوة حقيقية بما يكفي لتكون قضية سياسية واجتماعية مهمة. لكن تقييم أسبابها وحجم مسؤولية سياسات الهجرة عنها يحتاج إلى أكثر من رقم واحد عن الإعانات، ويحتاج خصوصًا إلى التمييز بين اللاجئ والمهاجر العامل والمولود في أوروبا وخارجها وبين من وصل حديثًا ومن أمضى عقودًا في البلاد.
وهنا تحديدًا تظهر المسافة بين الإحصاء والخطاب السياسي: الأول يقيس المشكلة بتفاصيلها، أما الثاني فيختار عادة الجزء الذي يدعم روايته.
مصادر التقرير الأساسية: Socialstyrelsen – الإحصاءات الرسمية للمساعدة الاقتصادية 2025؛ SCB – إحصاءات الأشخاص المكافئين لسنة كاملة المستفيدين من التعويضات والإعانات 2025؛ OECD – State of Immigrant Integration: Nordic Countries 2025وEconomic Survey of Sweden 2025؛ المفوضية الأوروبية – Sweden Country Report 2026؛ والحكومة السويدية فيما يتعلق بالتغييرات التشريعية الجارية.






















