تخيل أنك تشاهد فيلمًا تظهر فيه باقة من الورود، فلا تراها وتسمع ما حولها فقط، بل تستطيع أيضًا شم رائحتها.
هذا السيناريو الذي يبدو أقرب إلى أفلام الخيال العلمي أصبح خطوة أقرب إلى الواقع، بعدما نجح باحثون في معهد كارولينسكا في ستوكهولم في تحويل الروائح إلى معلومات رقمية يمكن إرسالها إلى مكان آخر، ثم إعادة تكوين الرائحة لدى المستقبل.
وقال يوهان لوندستروم، أستاذ علم النفس والمتخصص في إدراك حاسة الشم في معهد كارولينسكا، إن فريقه تمكن بالفعل من رقمنة ثلاث روائح وإرسال المعلومات اللازمة لإعادة إنتاجها.
كيف يمكن «إرسال» رائحة؟
الفكرة لا تعني أن الرائحة نفسها تسافر عبر الإنترنت.
يقوم الباحثون أولًا بقياس المواد الكيميائية التي تكوّن رائحة معينة وتحليل تركيبتها، ثم تُحوَّل هذه المعلومات إلى إشارة رقمية يمكن إرسالها بالطريقة نفسها التي يمكن بها إرسال أنواع أخرى من البيانات.
وعند الطرف الآخر يحتاج الشخص إلى جهاز خاص، يصفه لوندستروم بما يشبه «شاشة للروائح»، يستطيع استخدام المعلومات الرقمية لإعادة تكوين المواد المطلوبة وإطلاق الرائحة أمام المستخدم.
ويشرح لوندستروم الفكرة بمقارنة بسيطة: لا يمكن لشخص مشاهدة فيديو أُرسل إليه إذا لم يكن لديه شاشة تعرضه، والأمر نفسه ينطبق على الرائحة؛ البيانات يمكن إرسالها رقميًا، لكنك تحتاج إلى جهاز يستطيع تحويلها مجددًا إلى رائحة يمكن للأنف إدراكها.
ثلاث روائح حتى الآن
يشارك في المشروع باحثون من عدة تخصصات، من بينها علم النفس والكيمياء والرياضيات، وقد تمكن الفريق حتى الآن من إعادة إنشاء وإرسال ثلاث روائح رقميًا.
لكن الباحثين يرفضون الكشف عن ماهية هذه الروائح في الوقت الحالي.
والسبب، بحسب لوندستروم، هو أن الفريق يعمل في سباق تقني مع شركة تكنولوجيا أميركية عملاقة تعمل هي الأخرى على تطوير تقنيات مرتبطة بالرائحة الرقمية. ولم يسمِّ الباحث الشركة المنافسة.
ماذا يمكن أن تغير هذه التقنية؟
إذا أمكن تطوير النظام ليصبح صغيرًا وسريعًا وقادرًا على إعادة إنتاج أعداد كبيرة من الروائح، فقد يضيف بعدًا جديدًا تمامًا إلى العالم الرقمي.
فالأفلام والألعاب والواقع الافتراضي يمكن مستقبلًا أن تصبح تجارب لا تعتمد فقط على الصورة والصوت، بل على الرائحة أيضًا.
كما أن معهد كارولينسكا يعمل بالفعل في أبحاث أخرى حول تأثير الرائحة والطعم والصورة معًا على تجربة الطعام في البيئات الافتراضية، وهو ما يشير إلى أن الاستخدامات المحتملة للتقنية قد تتجاوز الترفيه وحده.
ويمكن تصور استخدامات أخرى مستقبلًا في التدريب والبحث الطبي ودراسة حاسة الشم، وهي أصلًا المجال الذي يركز عليه فريق لوندستروم في معهد كارولينسكا. لكن هذه التطبيقات تبقى إمكانات مستقبلية، وليست منتجات جاهزة للمستهلكين حتى الآن.
ليست شاشة عادية تفوح منها الروائح
ومن المهم هنا عدم المبالغة في المرحلة التي وصلت إليها التقنية.
فلا يمكن حاليًا إرسال رائحة إلى هاتف شخص وجعله يشمها مباشرة من الشاشة، ولا تكفي رسالة بريد إلكتروني وحدها لإنتاج الرائحة.
ما تمكن الباحثون من فعله هو تحويل خصائص الرائحة إلى معلومات رقمية يمكن نقلها، ثم استخدام جهاز مادي خاص لإعادة تكوينها في الطرف الآخر. وحتى الآن لا يزال الإنجاز مقتصرًا على ثلاث روائح.
ومع ذلك فإن الفكرة تحمل تحولًا مثيرًا: طوال عقود استطاعت التكنولوجيا نقل ما نراه وما نسمعه إلى الطرف الآخر من العالم خلال ثوانٍ، بينما بقيت حاسة الشم مرتبطة بالمكان الذي توجد فيه الرائحة فعليًا.
الآن يحاول الباحثون كسر هذا الحاجز أيضًا، بحيث قد يصبح من الممكن يومًا ما أن تصل إليك صورة وصوت ورائحة المشهد نفسه عبر الإنترنت.
المصدر: tv4.se


























