بدلاً من تقليل البطالة.. هل تدفع تعويضات العودة أصحاب الكفاءات إلى ترك السويد؟

جيمي أوكبيسون في البرلمان السويدي. Stefan Jerrevång/TT

أعاد مقال رأي نشرته صحيفة إكسبريسن السويدية فتح النقاش حول تعويضات العودة الطوعية التي رفعتها الحكومة السويدية بدعم واضح من حزب ديمقراطيي السويد، بعد أن حذر المقال من أن السياسة الجديدة قد لا تؤدي إلى مغادرة الفئات التي تتحدث عنها الأحزاب الداعمة للمقترح، بل قد تجذب بدلاً من ذلك مهاجرين متعلمين، مندمجين، وقادرين على بناء حياة جديدة خارج السويد.

وبحسب مقال إكسبريسن، فإن الفكرة الأساسية التي روجت لها الحكومة وأحزاب اتفاق تيدو، وعلى رأسها ديمقراطيو السويد، تقوم على أن رفع تعويض العودة سيشجع أشخاصاً “لم يجدوا مكانهم في المجتمع السويدي” أو يعيشون في عزلة طويلة على مغادرة البلاد طوعاً. لكن الصحيفة ترى أن المنطق قد ينقلب على أصحابه، لأن الأكثر قدرة على الاستفادة من عرض مالي كبير ليس بالضرورة الشخص الأكثر عزلة أو الأضعف اجتماعياً، بل من لديه تعليم، شبكة علاقات، خبرة مهنية، وقدرة على البدء من جديد في بلد آخر.

ومنذ بداية عام 2026، رُفع تعويض العودة الطوعية بشكل كبير ليصل إلى 350 ألف كرونة للشخص البالغ، و25 ألف كرونة للطفل، مع سقف يصل إلى 500 ألف كرونة للزوجين أو الشريكين، و600 ألف كرونة للأسرة الواحدة. وكانت قيمة الدعم سابقاً أقل بكثير، إذ جرى رفعه بهدف جعل خيار مغادرة السويد أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية.

ووفق الحكومة السويدية، فإن هذا الدعم موجه للأشخاص الذين لديهم تصريح إقامة في السويد، مثل اللاجئين أو الحاصلين على حماية بديلة، ويرغبون في مغادرة البلاد والعودة إلى بلدهم الأصلي أو الانتقال إلى بلد آخر يحق لهم الإقامة فيه. وتقول مصلحة الهجرة السويدية إن الدعم يهدف إلى تغطية تكاليف السفر ومساعدة الشخص على بداية جديدة في البلد الذي ينتقل إليه.

لكن الأرقام تظهر أن الاهتمام بالبرنامج ارتفع بشكل واضح بعد رفع التعويضات. فبحسب مصلحة الهجرة السويدية، وصل عدد الطلبات المقدمة خلال عام 2026 حتى نهاية مايو/أيار إلى 609 طلبات، بينما تم البت في 423 طلباً حتى ذلك التاريخ. وفي شهر مايو وحده، تم تسجيل 54 طلباً جديداً والبت في 90 طلباً.

وتشير تقارير سويدية إلى أن عدد الطلبات في بداية العام كان لافتاً مقارنة بالسنوات السابقة. ففي يناير/كانون الثاني وحده، تلقت مصلحة الهجرة 272 طلباً، وهو رقم يفوق عدد الطلبات المسجلة طوال عام 2025، حين بلغ مجموع الطلبات 152 طلباً فقط. وفي عام 2025 لم تتم الموافقة إلا على طلب واحد من أصل 133 طلباً تم النظر فيها، ما يظهر حجم التحول بعد رفع قيمة الدعم.

ورغم هذا الارتفاع الكبير في عدد المتقدمين، فإن عدد الموافقات بقي محدوداً في البداية. ففي أبريل/نيسان، أفاد راديو السويد بأن نحو 500 شخص كانوا قد تقدموا بطلبات منذ رفع التعويض، لكن ستة أشخاص فقط حصلوا على الموافقة حتى ذلك الوقت، بينما رُفض أكثر من 160 طلباً. وتشير مصلحة الهجرة إلى أن أسباب الرفض قد تتعلق بعدم استيفاء شروط الإقامة، أو وجود ديون لدى مصلحة القروض الدراسية أو مصلحة جباية الديون، أو عدم انطباق شروط البرنامج على مقدم الطلب.

وبحلول نهاية مايو/أيار، ذكرت صحيفة داغنس نيهيتر أن 118 شخصاً حصلوا على تعويض العودة خلال العام، وأن ما يقارب 5.7 مليون كرونةدُفعت ضمن البرنامج حتى ذلك الوقت. وهذه الأرقام تعني أن البرنامج بدأ يتحرك فعلياً، لكن ليس بالضرورة بالسرعة أو الاتجاه الذي كانت الأحزاب الداعمة له تتوقعه.

وتكمن النقطة الأساسية التي يثيرها مقال إكسبريسن في سؤال حساس: من هم الأشخاص الذين سيستجيبون فعلاً لهذا العرض؟ فالمقال يرى أن الشخص الذي يستطيع أن يحسب قيمة التعويض، ويقارنها بفرص السكن والعمل والاستثمار في بلد آخر، ويخطط لمغادرة منظمة، هو غالباً شخص يمتلك مهارات وقدرة على الحركة واتخاذ القرار. أما الشخص الذي يعيش في عزلة عميقة أو يعاني من بطالة طويلة أو ضعف اجتماعي شديد، فقد لا يكون بالضرورة قادراً على تحويل التعويض إلى مشروع حياة جديد.

وهنا يصبح الخطر، وفق المقال، أن تدفع الدولة أموالاً عامة لأشخاص قد يكونون مندمجين نسبياً أو قادرين على العمل والمساهمة في الاقتصاد، بينما تبقى الفئات التي أراد ديمقراطيو السويد والحكومة دفعها نحو العودة داخل البلاد. وبذلك قد تتحول السياسة من أداة لتقليل ما تسميه الأحزاب الحاكمة “الاستبعاد” إلى حافز مالي لهجرة أشخاص تحتاجهم السويد بالفعل في سوق العمل والمجتمع.

ويرتبط هذا النقد أيضاً بالتصريحات الرسمية التي رافقت رفع الدعم. فقد قالت الحكومة إن تعويض العودة يمنح فرصة لبداية جديدة للأشخاص الذين “لأسباب مختلفة لا يشعرون بالراحة أو لم يندمجوا بشكل كافٍ في المجتمع السويدي”. أما لودفيغ أسبلينغ، المتحدث باسم شؤون الهجرة في ديمقراطيي السويد، فقال إن ديمقراطيي السويد والحكومة يمنحون هؤلاء الأشخاص فرصة للبدء من جديد وترتيب حياة أفضل في بلدانهم الأصلية.

وتضع مصلحة الهجرة شروطاً واضحة للحصول على التعويض، منها ألا يكون الشخص مواطناً سويدياً، وألا يكون قد حصل سابقاً على تعويض عودة، وألا تكون العودة إلى دولة داخل الاتحاد الأوروبي أو المنطقة الاقتصادية الأوروبية أو سويسرا، وألا تكون لديه ديون غير مدفوعة لدى مصلحة القروض الدراسية أو مصلحة جباية الديون. كما لا يمكن الحصول على التعويض في بعض الحالات المرتبطة بالأحكام أو الاتهامات الجنائية.

ويتم دفع التعويض على مراحل، وليس دفعة واحدة. فبحسب مصلحة الهجرة، يحصل الشخص على 20 في المئة من المبلغ عند الموافقة وهو لا يزال في السويد، ثم 40 في المئة بعد وصوله إلى البلد الذي انتقل إليه، بينما تُدفع النسبة المتبقية، وهي 60 في المئة من المبلغ المتبقي، بعد مرور 15 شهراً على الأقل، بشرط ألا يكون تصريح الإقامة السويدي لا يزال سارياً أو أن يكون قد تم سحبه.

ومن التفاصيل المهمة أيضاً أن من يختار العودة إلى السويد بعد حصوله على جزء من التعويض قد يصبح مطالباً بإعادة الأموال. كما أن تقديم طلب العودة قد يدفع مصلحة الهجرة إلى مراجعة ما إذا كانت أسباب الحماية ما تزال قائمة، حتى لو لم يحصل الشخص في النهاية على الدعم.

لهذا يرى منتقدون أن البرنامج لا يتعلق فقط بمبلغ مالي، بل يفتح أسئلة أكبر حول سياسة الهجرة والاندماج في السويد: هل تريد الدولة فعلاً مساعدة من يرغب في العودة طوعاً؟ أم أنها تستخدم التعويض كأداة سياسية لإظهار تشدد أكبر في ملف الهجرة؟ وهل يمكن أن يؤدي الحافز المالي المرتفع إلى نتيجة معاكسة، بحيث يغادر من يملكون القدرة على النجاح، ويبقى من لا يستطيعون أو لا يريدون الرحيل؟

وبينما تعتبر الحكومة وديمقراطيو السويد أن رفع تعويض العودة وسيلة لتشجيع العودة الطوعية وتقليل مشاكل الاندماج، يرى مقال إكسبريسن أن الخطر الحقيقي يكمن في أن تسير السياسة في الاتجاه الخاطئ: أن تدفع السويد أموالاً كبيرة لا لمن “فشلوا في الاندماج”، بل لمن يمتلكون القدرة والذكاء والمهارة الكافية لاغتنام الفرصة ومغادرة البلاد.

المصدر: مقال رأي في صحيفة إكسبريسن

المزيد من الأخبار ...

..آخر الأخبار ..

جميع الحقوق محفوظة © 2023 منصة دال ميديا الاخبارية