في مشهد يبدو متناقضًا للوهلة الأولى، تعود أزمة نقص مياه الشرب لتفرض نفسها مجددًا في عدة مناطق سويدية مع اقتراب فصل الصيف، رغم أن البلاد تُعد من أغنى دول أوروبا بالمياه العذبة، إذ تضم أكثر من 100 ألف بحيرة. لكن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة تمامًا، حيث أصدرت بلديات وسلطات محلية تحذيرات متكررة من شح المياه، وفرضت قيودًا صارمة على استخدامها.
السبب الرئيسي لهذا التناقض لا يتعلق بكمية المياه، بل بنوعيتها ومصدرها. فمياه الشرب في السويد لا تُستمد مباشرة من البحيرات كما يعتقد الكثيرون، بل تعتمد بشكل كبير على المياه الجوفية (grundvatten)، وهي التي تُعد المصدر الأساسي لتزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب. هذه المياه الجوفية تتأثر بشكل مباشر بكمية الأمطار والثلوج خلال فصلي الشتاء والربيع، ما يجعلها عرضة للنقص في حال كان الشتاء جافًا أو قليل الثلوج.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت السويد فصول شتاء أقل برودة وأقل تساقطًا للثلوج، وهو ما أدى إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية قبل دخول الصيف. ومع ارتفاع درجات الحرارة، يزداد الاستهلاك بشكل كبير، خاصة في مجالات الري، وملء المسابح، واستخدام المياه في الحدائق، ما يفاقم الضغط على الموارد المتاحة.
أما البحيرات، فرغم وفرتها، فهي ليست دائمًا خيارًا جاهزًا للاستخدام كمياه شرب. إذ تحتاج مياهها إلى عمليات معالجة معقدة ومكلفة لتصبح صالحة للاستهلاك البشري، وهو ما لا يتوفر في جميع البلديات، خصوصًا الصغيرة منها. كما أن بعض البحيرات قد تتعرض للتلوث أو تحتوي على مستويات مرتفعة من المواد العضوية، ما يجعل استخدامها أكثر صعوبة.
إضافة إلى ذلك، تواجه بعض المناطق الساحلية في السويد مشكلة خاصة تتمثل في تداخل مياه البحر المالحة مع المياه الجوفية، خاصة عند انخفاض مستوى هذه الأخيرة، ما يؤدي إلى تدهور جودة مياه الشرب.
السلطات السويدية غالبًا ما تلجأ في مثل هذه الحالات إلى فرض ما يُعرف بـ”حظر استخدام المياه غير الضرورية“ (bevattningsförbud)، والذي يمنع استخدام المياه لأغراض مثل ري الحدائق أو غسل السيارات، بهدف الحفاظ على المخزون المتبقي للاستخدامات الأساسية.
بعبارة أخرى، أزمة المياه في السويد ليست أزمة نقص في الموارد، بل أزمة إدارة وتوزيع وجودة، تتفاقم بفعل التغيرات المناخية وزيادة الاستهلاك خلال فترات محددة من السنة.























