تتزايد في الأيام الأخيرة التقارير الإعلامية المتناقضة حول تحركات عسكرية مرتبطة بالأكراد على الحدود الإيرانية، في وقت تتقاطع فيه تسريبات استخباراتية أمريكية مع مخاوف قديمة لدى الأكراد من أن يتحولوا مرة أخرى إلى ورقة في لعبة القوى الكبرى. وبينما تحدثت وسائل إعلام غربية عن “هجوم كردي” داخل إيران، سارعت جهات كردية في إقليم كردستان إلى نفي هذه الرواية بشكل قاطع.
وبحسب ما نقلته قناة TV4 السويدية نقلا عن تقارير لوسائل إعلام أمريكية، فقد تحدثت شبكة CNN في وقت سابق عن أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA عملت خلال الأشهر الماضية على بحث إمكانية دعم مجموعات معارضة داخل إيران، من بينها مجموعات كردية، بهدف إثارة احتجاجات أو تمرد شعبي ضد النظام الإيراني.
وفي تطور آخر نقلته وسائل إعلام أمريكية، بينها قناة Fox، جرى الحديث عن أن آلاف المقاتلين الأكراد من العراق بدأوا بالفعل هجوما بريا داخل الأراضي الإيرانية. إلا أن هذه المعلومات ما تزال غير مؤكدة، إذ لم يتم تحديد نطاق العمليات المزعومة ولا المدن التي قد تكون تأثرت بها.
وفي الوقت نفسه، نقلت تقارير عن مسؤولين أكراد حديثهم عن مخاوف كبيرة من الانخراط في أي صراع واسع النطاق، خاصة في ظل التاريخ المعقد للعلاقات بين الأكراد والولايات المتحدة. فقد أشار أحد المسؤولين الأكراد في حديث لشبكة CNN إلى أن الوضع “خطير للغاية”، مؤكدا أن الأكراد يخشون أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة مفتوحة دون دعم كاف.
ورغم هذه الروايات، أكدت جهات رسمية في إقليم كردستان العراق نفيها القاطع لوجود أي هجوم كردي على إيران، مشددة على أن ما يتم تداوله في بعض وسائل الإعلام لا يستند إلى معلومات دقيقة، وأن قوات الإقليم لم تبدأ أي عمليات عسكرية من هذا النوع.
ويأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه المنطقة توترا متصاعدا، حيث أعلنت إيران خلال الأيام الماضية تنفيذ عدة هجمات ضد مواقع في إقليم كردستان العراق. فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف مواقع قرب مدينة أربيل باستخدام عدد من الطائرات المسيرة، فيما ذكرت تقارير إعلامية أن إيران أطلقت أيضا صواريخ باتجاه مجموعات كردية خلال الليالي الماضية.
وتعد مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق واحدة من أبرز المدن التي تعرضت لهجمات إيرانية خلال الفترة الأخيرة، ما يزيد من حساسية الوضع الأمني في المنطقة.
ويرى خبراء أن أي محاولة لفتح جبهة عسكرية داخل إيران ستكون معقدة للغاية، ليس فقط بسبب قوة الدولة الإيرانية، بل أيضا بسبب التركيبة السكانية داخل البلاد. فالأكراد يشكلون أقلية مقارنة بالأغلبية الفارسية، وهو ما قد يجعل أي تمرد مسلح محدود التأثير دون دعم سياسي وعسكري واسع.
كما يشير محللون إلى أن المجموعات الكردية لا تمتلك حتى الآن الأسلحة الثقيلة أو القدرات العسكرية التي تمكنها من إسقاط النظام الإيراني أو إحداث تغيير جذري في موازين القوى داخل البلاد.
ويضاف إلى ذلك عامل تاريخي مهم، إذ أن العلاقات بين الأكراد والولايات المتحدة شهدت تعاونا عسكريا في عدة محطات، منها حرب الخليج عام 1990، والحرب على العراق عام 2003، وكذلك الحرب ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا.
لكن هذا التعاون ترافق في أكثر من مناسبة مع شعور الأكراد بأنهم تُركوا وحدهم بعد انتهاء المعارك. ففي أعقاب حرب الخليج، شجعت الولايات المتحدة الأكراد على الانتفاض ضد نظام صدام حسين، إلا أن الدعم العسكري لم يكن كافيا، وهو ما أدى لاحقا إلى سقوط آلاف الضحايا في حملات القمع التي أعقبت الانتفاضة.
ويقدر عدد الأكراد في العالم اليوم بنحو 25 إلى 30 مليون نسمة، يعيش معظمهم في تركيا والعراق وإيران وسوريا وأرمينيا. وتعرف المناطق التي يتواجد فيها الأكراد في جنوب شرق تركيا وشمال العراق وشمال غرب إيران وشمال سوريا باسم كردستان.
كما يعيش عشرات الآلاف من الأكراد في دول أوروبية بينها السويد، حيث تشير التقديرات إلى وجود ما بين 50 ألفا إلى 100 ألف كردي في البلاد.
وتاريخيا تعرض الأكراد لموجات متكررة من القمع والعنف في عدة دول في المنطقة. ففي العراق قتل نظام صدام حسين نحو 200 ألف كردي، بينهم خمسة آلاف في الهجوم الكيميائي على مدينة حلبجة عام 1988. كما تعرضت الأقلية الإيزيدية الكردية لإبادة جماعية على يد تنظيم داعش عام 2014، حيث قتل الآلاف واختطف عدد كبير من النساء والفتيات.
وفي ظل هذه الخلفية التاريخية المعقدة، تبقى أي تقارير عن تحركات عسكرية كردية داخل إيران موضع تدقيق شديد، خاصة مع نفي الجهات الكردية في إقليم كردستان صحة المعلومات التي تحدثت عن بدء هجوم بري.

























