مذكرة استخباراتية مسرّبة تفتح ملفًا حساسًا في قلب أوروبا: قدامى محاربين من وحدات خاصة غربية، بينها القوات البريطانية الخاصة SAS، يُشتبه في أنهم شاركوا في تدريب مواطنين روس وحتى عسكريين في الخدمة، داخل معسكرات خاصة في بلغاريا وصربيا. الشركة التي تقع في قلب القضية تنفي الاتهامات بالكامل، فيما بدأت المعلومات تثير تحركات سياسية وأمنية.
كشفت صحيفة The Telegraph البريطانية، وفق تقرير نقلته TV4 السويدية، عن مذكرة استخباراتية مسرّبة تشير إلى احتمال استعانة مراكز تدريب عسكرية خاصة في أوروبا بمحاربين سابقين من بعض أشهر وحدات النخبة الغربية لتدريب روس بعد بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
وتتحدث الوثيقة عن مدربين ذوي خلفيات في القوات البريطانية الخاصة SAS ووحدات كوماندوز أسترالية وقوات أمريكية خاصة، بينما تشير التقديرات الواردة فيها إلى أن المتدربين لم يكونوا فقط مواطنين روسًا عاديين، بل شملوا، بحسب المذكرة، أفرادًا في الخدمة العسكرية الفعلية.
وهنا من الضروري التمييز: لا توجد معلومات تفيد بأن جنودًا بريطانيين يعملون حاليًا في SAS أرسلوا رسميًا لتدريب الروس. الحديث يدور عن عسكريين سابقين يُزعم أنهم عملوا بصورة خاصة بعد انتهاء خدمتهم.
بحسب The Telegraph، أُعدت المذكرة لصالح جهاز الاستخبارات السرية الأسترالي ASIS في إطار منظومة Five Eyes الاستخباراتية، وهي شبكة تعاون استخباراتي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
وتقول الوثيقة، وفق الصحيفة، إن التقييم توصل بدرجة «ثقة عالية» إلى أن محاربين سابقين من القوات الغربية جرى تجنيدهم لتدريب مواطنين روس وعناصر عسكرية.
لكن هذا الوصف يتعلق بتقييم الوثيقة نفسها، ولا يعني أن الادعاءات أصبحت حقائق مثبتة قضائيًا أو تم التحقق منها بصورة مستقلة.
وتستند المذكرة، بحسب التقارير، إلى مقابلات مع اثنين من قدامى القوات الخاصة الأسترالية وعسكري احتياط لا يزال في الخدمة، قالوا إنهم تلقوا عروضًا للعمل كمدربين في معسكرات ببلغاريا وصربيا قيل لهم إن روسًا يتدربون فيها.
أحد أهم المواقع المذكورة هو مركز تديره شركة Alfa-Metal قرب قرية ميدجيني في منطقة غابروفو ببلغاريا.
ويقدم المركز دورات عسكرية وأمنية متخصصة، بينها التدريب على القنص المتقدم والقتال القريب وتقنيات مرتبطة بوحدات العمليات الخاصة.
وتبلغ تكلفة بعض هذه الدورات نحو 4 آلاف يورو للشخص الواحد.
وتقول المذكرة إن المدربين المرتبطين بالمركز ينتمون إلى خلفيات متنوعة تشمل، بحسبها، SAS البريطانية ووحدات كوماندوز أسترالية وشرطة أمريكية وعناصر سابقة من قوات Navy SEALs الأمريكية.
ويزيد من حساسية القضية أن The Telegraph عثرت على مواد دعائية قديمة للمركز تضمنت إشارات إلى SAS.
كما نشر المركز، قبل نحو ستة أشهر، إعلانًا عبر LinkedIn يبحث فيه عن شخص بريطاني يتمتع بخبرة عملياتية وخبرة في التدريب، وجاء في الإعلان أنه يبحث عن «مدرب SAS متمرس» للانضمام إلى الفريق.
لكن وجود الإعلان لا يثبت بحد ذاته أن عضوًا سابقًا في SAS عُيّن بالفعل أو أنه درّب مواطنين روسًا.
هل استمر تدريب الروس بعد غزو أوكرانيا؟
هذه هي النقطة الأكثر خطورة في الوثيقة.
فوفق التقييم المسرّب، واصلت بعض مراكز التدريب الخاصة في أوروبا استقبال مواطنين روس بعد بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وتضمنت الدورات تدريبات متقدمة على القتال داخل الأماكن المغلقة.
وقال العسكريون السابقون الذين استندت إليهم المذكرة إن موظفين في المركز أبلغوهم بأن روسًا استمروا في التدرب هناك حتى عام 2025.
كما تتحدث الوثيقة عن صلات بين Alfa-Metal وشركة أمن روسية تدعى Alfa Region ومقرها سانت بطرسبورغ، وكانت قد روّجت للمركز البلغاري على موقعها.
وذكرت مواد منشورة مرتبطة بالشركة الروسية أن المدربين يتمتعون بخبرات في قوات خاصة وأجهزة أمن من دول بينها بلغاريا والولايات المتحدة وروسيا واليونان وإسرائيل وأوكرانيا.
من جهتها ترفض Alfa-Metal القضية من أساسها.
وقالت الشركة إنها لم تستخدم أعضاء سابقين في SAS أو قوات خاصة غربية لتدريب مواطنين روس أو أشخاص يعتزمون القتال إلى جانب روسيا في أوكرانيا.
كما قالت إنها لم تدرب مواطنين روسًا منذ الغزو الروسي، وفي تصريحات أخرى أكدت أنها لم تقدم تدريبًا لروس منذ عام 2020.
ونفت الشركة وجود علاقة حالية مع Alfa Region الروسية، لكنها أقرت بعد مواجهتها بمواد قديمة بوجود «اتصالات مهنية تاريخية» بين الجانبين، وقالت إنها بدأت مراجعة موادها التسويقية القديمة.
الادعاءات لا تواجه نفي الشركة فقط.
فقد نقلت The Telegraph عن مصادر لها خلفية في SAS تشكيكها في إمكانية تورط أعضاء حقيقيين سابقين في الوحدة في مثل هذا النشاط.
وقال مصدر رفيع مرتبط بالمجتمع السابق لـSAS إن هذا الوسط صغير وإن الأخبار تنتشر بين أفراده بسرعة، مضيفًا أنه سيكون «مندهشًا للغاية» إذا ثبت أن شخصًا منهم قام بذلك.
التقرير لم يبق مجرد تسريب صحفي.
ففي بلغاريا، طالبت قوى من المعارضة باستدعاء رؤساء أجهزة الأمن إلى البرلمان لتوضيح ما إذا كان مواطنون أو عسكريون روس قد تلقوا تدريبات داخل البلاد.
وأفادت الإذاعة الوطنية البلغارية بأن التحرك جاء بعد التقارير البريطانية المتعلقة بالمركز القريب من غابروفو.
وفي الوقت نفسه شددت الإذاعة على نقطة مهمة: صحيفة The Telegraph نفسها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع الادعاءات الواردة في الوثيقة المسرّبة.
بحسب التقارير، تقوم الاستخبارات الأسترالية الآن بمراجعة المعلومات المتعلقة بالمذكرة، ومن المتوقع أن تُشارك النتائج مع بريطانيا والولايات المتحدة عبر شبكة Five Eyes إذا تطورت التحقيقات.
وهذا يعني أن القضية ما زالت في مرحلة ادعاءات استخباراتية يجري فحصها، وليس أمامنا حتى الآن نتيجة رسمية تثبت أن قدامى قوات SAS أو Navy SEALs قاموا بالفعل بتدريب جنود روس للقتال في أوكرانيا.
لكن إذا تأكدت المعلومات، فستطرح القضية سؤالًا بالغ الحساسية: هل انتقلت معرفة عسكرية صُنعت داخل أكثر وحدات الغرب نخبوية، عبر القطاع الخاص، إلى أشخاص يمكن أن يستخدموها في الجانب الآخر من الحرب الأوكرانية؟


























