قبل يوم واحد من الانتخابات السويدية، تتوالى استطلاعات الرأي بوتيرة تكاد تجعل كل بضع ساعات تحمل عنوانًا جديدًا: حزب يصعد، وآخر ينهار، والفارق بين الكتلتين يتقلص أو يتسع. لكن خبير البيانات ينس فيناس يرى أن المشكلة ليست في كثرة الاستطلاعات نفسها، وإنما في الطريقة التي تتعامل بها وسائل الإعلام معها، عندما تمنح قياسها الخاص وزنًا أكبر من الصورة التي ترسمها جميع القياسات مجتمعة.
انتقد الصحفي المتخصص في البيانات ينس فينيس، الرئيس التنفيذي لوكالة Newsworthy وأحد مؤسسي مشروع التوقعات الانتخابية Botten Ada، طريقة تغطية وسائل الإعلام السويدية لاستطلاعات الرأي خلال الحملة الانتخابية.
وقال في برنامج خاص في الإذاعة السويدية إن وسائل الإعلام قدمت للناخبين خلال الأسابيع الماضية صورة متفرقة ومتناقضة أحيانًا عن اتجاه الرأي العام، لأن كل مؤسسة إعلامية تميل إلى التركيز بصورة كبيرة على الاستطلاع الذي تطلبه من معهدها المتعاون معها.
وقال فيناس إن المؤسسات الإعلامية، بصورة عامة، «سيئة جدًا» في جمع الاستطلاعات المختلفة ووزنها معًا قبل استخلاص النتائج.
لكل قناة تقريبًا استطلاعها
خلال الحملة الانتخابية أصبحت العلاقة بين كبرى المؤسسات الإعلامية ومعاهد استطلاع الرأي مألوفة للقارئ السويدي.
TV4 تنشر بصورة متكررة قياسات Novus، فيما تعتمد SVT على Verian/Sifo، والإذاعة السويدية Ekot على Indikator Opinion، إلى جانب قياسات أخرى تنشرها الصحف بالتعاون مع Demoskop وIpsos وغيرها.
المشكلة، وفق فيناس، تبدأ عندما يتحول كل استطلاع إلى خبر مستقل تتم قراءة تحركاته مقارنة بالاستطلاع السابق للمعهد نفسه، بينما لا يحصل الناخب دائمًا على السياق الأوسع: ماذا تقول بقية المعاهد في الوقت نفسه؟
TV4 يرفض فكرة أنه يتجاهل القياسات الأخرى. وقال رئيس التحرير المسؤول في TV4 Nyheterna فريدريك مالمبيرغ إن القناة تحاول تغطية استطلاعات وسائل الإعلام الأخرى أيضًا، لكن المعلومات التفصيلية والخلفيات تكون متاحة بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بقياس القناة الخاص، ولذلك يكون من الممكن إنتاج مواد صحفية أكثر حوله.
يوم واحد.. وخمسة أرقام مختلفة للحزب نفسه
ولفهم المشكلة التي يتحدث عنها فيناس، تكفي مقارنة الاستطلاعات الخمسة الأخيرة المنشورة في 11 سبتمبر.
ففي اليوم نفسه حصل الاشتراكيون الديمقراطيون S على:
27.4% لدى Ipsos
27.6% لدى Sifo/Verian
28.6% لدى Novus
28.6% لدى Indikator
29.7% لدى Demoskop
أي فارق يبلغ 2.3 نقطة مئوية بين أدنى وأعلى تقدير في اليوم نفسه.
والاختلاف كان أكبر في بعض الأحزاب الأخرى.
حزب المحافظين M حصل على 15.8% لدى Sifo، لكنه وصل إلى 18.3% لدى Ipsos.
أما حزب البيئة MP فتراوح بين 5.6% لدى Demoskop و8.0% لدى Sifo.
حتى الليبراليون L، الذين كانت مسألة تجاوزهم حاجز الـ4% واحدة من أكثر قصص الأسبوع الأخير إثارة، تراوحت تقديراتهم في استطلاعات اليوم نفسه بين 4.7 و5.5%.
وهذا يعني أن القارئ الذي يتابع مؤسسة إعلامية واحدة فقط قد يحصل على صورة مختلفة نسبيًا عن القارئ الذي يتابع مؤسسة أخرى، رغم أن الجميع يحاول قياس الناخبين أنفسهم في الفترة الزمنية ذاتها.
مثال الليبراليين يكشف المشكلة
ربما لا يوجد مثال أوضح هذا العام من حزب الليبراليين.
في 4 سبتمبر أعطى استطلاع Indikator Opinion لإذاعة Sveriges Radio الحزب 2.2% فقط، أي بعيدًا جدًا عن حاجز دخول البرلمان البالغ 4%. ووصفت التغطية آنذاك وضع الحزب بأنه شديد الخطورة.
لكن بعد أيام قليلة فقط، أعطت Novus/TV4 الليبراليين 5.8%، ووصفت الزيادة بأنها «استثنائية» و«لم نشهد مثلها من قبل» بهذه السرعة.
ثم جاءت آخر قراءة لـSVT/Verian يوم الجمعة وأعطت الحزب 5.5%، مؤكدة أن صعوده أصبح واضحًا وأن جزءًا كبيرًا منه جاء من ناخبي المحافظين.
وفي أحدث مجموعة استطلاعات نشرت يوم 11 سبتمبر، لم يعد أي من المعاهد الخمسة يضع الحزب تحت حاجز الأربعة بالمئة، لكن الفروق بين المعاهد بقيت موجودة.
وهذا المثال يوضح أيضًا أمرًا آخر: ليس كل اختلاف بين الاستطلاعات «خطأ». فجزء من الفروق يعود إلى اختلاف فترات جمع البيانات، وطريقة اختيار المشاركين، وطريقة وزن الإجابات، وحجم العينة، إضافة إلى أن الرأي العام نفسه قد يتحرك بسرعة خلال الأيام الأخيرة من الحملة.
ما معنى «جمع الاستطلاعات»؟
المبدأ بسيط: بدل الاعتماد على استطلاع واحد باعتباره أفضل تقدير للحظة الراهنة، تُدمج نتائج عدة معاهد في نموذج واحد.
مشروع Botten Ada، الذي يشارك فيناس في تطويره، يذهب أبعد من حساب متوسط حسابي بسيط.
فالنموذج يأخذ في الحسبان تاريخ كل معهد، وما إذا كان يميل تقليديًا إلى رفع أو خفض أرقام أحزاب معينة، وتاريخ إجراء المقابلات، وعدد المشاركين، ودقة صناعة الاستطلاعات تاريخيًا، إضافة إلى احتمالات التصويت التكتيكي للأحزاب الصغيرة.
ويصف القائمون على المشروع هذا الاختلاف المتكرر بين المعاهد بمصطلح house bias، أي أن معهدًا معينًا قد يعطي حزبًا ما، بصورة متكررة، نتيجة أعلى أو أدنى قليلًا من المعاهد الأخرى بسبب منهجيته.
ولهذا، فإن ظهور حزب عند 5.5% لدى معهد و4.7% لدى آخر لا يعني بالضرورة أن أحدهما صحيح والآخر مخطئ، بل إن جمع عدة مصادر يقلل خطر بناء الاستنتاج على الانحراف الخاص بقياس واحد.
وماذا تقول الصورة المجمعة قبل انتخابات الأحد؟
حتى صباح السبت 12 سبتمبر، يعطي نموذج Botten Ada، بعد دمج الاستطلاعات المختلفة، 50.4% للأحزاب الأربعة التي تشكل قاعدة ماغدالينا أندرشون — S وV وMP وC — مقابل 48.0% لأحزاب تيدو الأربعة M وSD وKD وL.
ويقدر النموذج احتمالية أن تحصل أحزاب أندرشون مجتمعة على أغلبية المقاعد بنحو 73%، مقابل نحو 28% لمعسكر أولف كريسترشون.
لكن هذه الأرقام ليست نتيجة انتخابية ولا استطلاعًا جديدًا؛ إنها احتمالات إحصائية مبنية على البيانات المتوفرة. وحتى النموذج نفسه يؤكد أن الاستطلاعات لا تستطيع التنبؤ بالمستقبل بيقين.
كما يعطي النموذج الليبراليين حاليًا 86% احتمالًا لتجاوز حاجز الأربعة بالمئة، بعدما كان وضعهم أكثر غموضًا قبل أسابيع قليلة.
استطلاع واحد قد يصنع عنوانًا.. وربما يؤثر في التصويت نفسه
المسألة لا تتعلق فقط بالطريقة التي يفهم بها الجمهور الأخبار.
الباحثون في الانتخابات يشيرون إلى أن استطلاعات الرأي قد تؤثر أيضًا في سلوك الناخبين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأحزاب الصغيرة القريبة من حاجز الأربعة بالمئة.
فقد يقرر بعض الناخبين التصويت تكتيكيًا لإنقاذ حزب مهدد بالخروج، بينما قد يستفيد حزب آخر من الشعور بأنه في حالة صعود. ويشير أستاذ العلوم السياسية Tommy Möller إلى إمكانية ظهور تأثيرات من نوع «المستضعف» أو انتقال ناخبين نحو حزب يرونه بحاجة إلى أصواتهم.
وهنا تصبح طريقة صياغة العنوان الصحفي نفسها مهمة.
فعنوان يقول إن «L بعيد عن البرلمان عند 2.2%» قد يولد انطباعًا مختلفًا تمامًا عن عنوان بعد أيام يقول إن «L يقفز إلى 5.8% ويتجاوز الحاجز بوضوح».
كلا الرقمين جاء من استطلاع حقيقي، لكن القارئ لا يرى الصورة الكاملة إلا عندما يعرف ماذا تقول القياسات الأخرى ومتى أجريت.
حتى SVT تقول إن استطلاعًا واحدًا لا يكفي
SVT نفسها تقول في سياستها التحريرية الخاصة باستطلاعات الرأي إنها لا تتعامل مع جميع القياسات بالطريقة نفسها، وتفحص تصميم الأسئلة، والجهة التي طلبت الاستطلاع، وطريقة اختيار المشاركين، ومدى موثوقية المنهج قبل نشر النتائج.
كما يؤكد خبراء تحدثوا للإذاعة السويدية خلال الحملة أن الاتجاه الواضح عبر عدة قياسات أهم من الحركة التي تظهر في استطلاع منفرد، خصوصًا عندما تكون التغيرات داخل هامش الخطأ الإحصائي.
وهذا، في الجوهر، هو ما يطالب به فيناس: ألا تختفي بقية الصورة لمجرد أن المؤسسة الإعلامية تمتلك استطلاعًا جديدًا يحمل اسمها.
اختبار الحقيقة يأتي الأحد
للمفارقة، لن نحتاج إلى الانتظار طويلًا لمعرفة أي المقاربات كانت أقرب إلى الحقيقة.
فغدًا الأحد 13 سبتمبر سيصوت الناخبون، وعندها ستتحول الأرقام من عينات تضم بضعة آلاف إلى أصوات ملايين الناخبين.
وقد يكون الاختبار مثيرًا بصورة خاصة هذه المرة، لأن الفوارق بين بعض قياسات اللحظة الأخيرة كبيرة، بينما تظهر النماذج المجمعة سباقًا أكثر استقرارًا نسبيًا مع أفضلية للمعارضة لكنها ليست حسمًا مضمونًا.
ولدى Botten Ada سجل سابق يمنحه بعض الاهتمام؛ فالقائمون عليه يقولون إن نموذجهم المجمع في انتخابات 2022 جاء أقرب إلى النتيجة النهائية من أي قياس منفرد، وحصل المشروع لاحقًا على جائزة من جمعية تعزيز الإحصاء السويدية.
لكن حتى أفضل النماذج لا تملك صوتًا في صندوق الاقتراع.
ولهذا قد تكون النصيحة الأهم للناخب قبل يوم واحد من الانتخابات بسيطة: لا تجعل استطلاعًا واحدًا يخبرك وحده بما «يفكر فيه السويديون» — انظر إلى الصورة التي ترسمها الاستطلاعات مجتمعة.
المصدر الأساسي: Omni


























