فيتو روسي صيني ووساطة باكستانية.. كواليس تجميد الحرب الأمريكية الإيرانية

هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران. BRENDAN SMIALOWSKI/AFP VIA GETTY IMAGES

بعد نحو ستة أسابيع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بدأ المشهد يتجه نحو تهدئة مؤقتة، لكن بلغة سياسية تشبه الألغام أكثر مما تشبه السلام. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قال لوكالة الصحافة الفرنسية، بحسب ما نقلته رويترز، إن الاتفاق مع إيران يمثل “انتصارا كاملا وشاملا” للولايات المتحدة، وذلك بعد إعلانه الموافقة على تعليق الهجمات والقصف على إيران لمدة أسبوعين.

الشق الأمريكي المعلن من الاتفاق واضح نسبيا: واشنطن وافقت على وقف الضربات لمدة 14 يوما، بشرط أن تفتح طهران مضيق هرمز بشكل كامل وفوري وآمن. ترمب قال أيضا إن الولايات المتحدة تسلمت مقترحا إيرانيا من عشر نقاط، واعتبره “أساسا قابلا للتطبيق للتفاوض”، مضيفا أن أغلب نقاط الخلاف السابقة باتت، بحسب روايته، محل اتفاق أو قريبة من التسوية.

لكن عند الانتقال إلى الرواية الإيرانية، تظهر صورة مختلفة وأكثر تعقيدا. مسؤولو طهران أبلغوا رويترز أن إيران لا تقبل بوقف إطلاق نار مؤقت مع الولايات المتحدة، بل تريد اتفاق سلام دائم يتضمن وقفا فوريا للهجمات، وضمانات بعدم تكرارها، وتعويضا عن الأضرار. كما نقلت رويترز عن مسؤول إيراني كبير أن طهران تريد أيضا حق فرض رسوم على السفن العابرة في مضيق هرمز، على أن تختلف هذه الرسوم بحسب نوع السفينة وحمولتها والظروف المحيطة.

هنا تحديدا تبدأ الفجوة بين التصريحات والاتفاق الفعلي. فوكالة أسوشيتد برس وصفت ما جرى بأنه هدنة “مؤقتة” أو “هشة”، مشيرة إلى وجود أسئلة فورية حول ما إذا كانت الأطراف الثلاثة، الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، تتحدث عن نفس الصفقة أصلا. وذكرت الوكالة أن إيران أصرت على أنها ستواصل التحكم بالمرور عبر مضيق هرمز، وأن خطة التهدئة قد تسمح لكل من إيران وسلطنة عمان بفرض رسوم على السفن العابرة، وهو تحول كبير عن الوضع التقليدي الذي كان يعتبر المضيق ممرا دوليا لا تُفرض عليه رسوم عبور بهذا الشكل.

أما عن تفاصيل “النقاط العشر” التي يتحدث عنها البيت الأبيض وترمب، فلا توجد حتى الآن صيغة رسمية منشورة بالكامل من جانب واشنطن أو طهران يمكن اعتبارها نهائية وموثقة. المؤكد فقط من المصادر الموثوقة أن ترمب أقر بتلقي المقترح الإيراني، وأنه اعتبره صالحا للبناء عليه، بينما لا تزال بنوده التفصيلية موضع تضارب وتسريبات وتفسيرات سياسية متنافسة. لذلك، فإن أي حديث حاسم عن “اتفاق نهائي” ما زال سابقا لأوانه.

الوساطة الباكستانية لعبت دورا محوريا في هذا التحول. رويترز أكدت أن باكستان طلبت رسميا من واشنطن تمديد المهلة الممنوحة لإيران أسبوعين إضافيين، ودعت طهران في المقابل إلى فتح مضيق هرمز خلال هذه الفترة “كبادر حسن نية”. هذا الطلب جاء قبيل انتهاء إنذار أمريكي كان يتضمن تهديدات شديدة اللهجة ضد إيران إذا لم تُنهِ تعطيل حركة الملاحة والنفط في الخليج.

وعلى خط مواز، قالت رويترز إن إسرائيل أيدت قرار ترمب تعليق الضربات لمدة أسبوعين، لكنها شددت على أن هذه التهدئة لا تشمل لبنان. مكتب بنيامين نتنياهو أكد أن دعم إسرائيل للخطوة الأمريكية مشروط بفتح المضيق فورا ووقف الهجمات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة. كما أشارت رويترز إلى أن إيران أعلنت أن المفاوضات مع واشنطن يفترض أن تبدأ يوم الجمعة 10 أبريل في إسلام آباد.

ميدانيا، لا يبدو أن الإعلان السياسي نجح حتى الآن في فرض هدوء كامل على الأرض. أسوشيتد برس ذكرت أن القتال استمر بعد الإعلان، مع استمرار ضربات وهجمات متبادلة، ما يعزز الانطباع بأن ما جرى ليس اتفاق سلام بقدر ما هو محاولة لالتقاط الأنفاس قبل جولة تفاوض صعبة. وهذا يفسر أيضا لماذا لا تزال الأسواق تتعامل بحذر شديد مع هذه الهدنة، رغم أنها خففت بعض التوتر الفوري المرتبط بالنفط والشحن.

دوليا، اتضح حجم الانقسام داخل مجلس الأمن أيضا. فقد استخدمت روسيا والصين الفيتو ضد مشروع قرار أممي كان يهدف إلى تشجيع الدول على تنسيق الجهود لحماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز. ووفق رويترز، فإن الصين وروسيا اعتبرتا المشروع منحازا ضد إيران، بينما رأت واشنطن أن تعطيل القرار يعرقل حماية أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم، الذي كان ينقل سابقا نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال عالميا.

ماذا نعرف حتى الآن بشكل مؤكد؟
المؤكد حتى اللحظة هو وجود موافقة أمريكية على تعليق الضربات لمدة أسبوعين، ووجود وساطة باكستانية، وتلقي واشنطن مقترحا إيرانيا من عشر نقاط، ودعم إسرائيلي للتهدئة المؤقتة مع استثناء لبنان، إضافة إلى وجود خلافات جدية بشأن مضمون الاتفاق النهائي، خاصة ما يتعلق بطبيعة الهدنة، والرسوم على السفن، ومستقبل مضيق هرمز، وضمانات ما بعد الحرب. أما ما عدا ذلك، فلا يزال معلقا بين التصريحات السياسية والمفاوضات التي لم تنضج بعد إلى اتفاق نهائي واضح البنود.

ما أعلن حتى الآن ليس نهاية الحرب، بل هدنة اختبارية محملة بالشروط والتناقضات. ترمب يصفها بانتصار كامل، وطهران تتحدث من موقع من فرض شروطه، وإسرائيل تبارك التوقف المؤقت لكنها تفتح استثناءات، فيما يبقى مضيق هرمز قلب المعركة الحقيقي. وفي الشرق الأوسط، حين يقول طرف إنه انتصر بشكل كامل، يكون من الحكمة أن تبحث في السطر الذي لم يُقرأ بعد.

المصدر: رويترز، أسوشيتد برس، وواشنطن بوست

المزيد من الأخبار ...

..آخر الأخبار ..

جميع الحقوق محفوظة © 2023 منصة دال ميديا الاخبارية