قبل الانتخابات.. القوة الشرائية للأسر السويدية تسجل مستويات قياسية بعد سنوات التضخم والغلاء

مليون سويدي مهددون بالفقر: الأزمة الاقتصادية تُعيق قدرتهم على توفير التدفئة والنقل والرحلات. الصورة من الانترنت

يدخل الناخبون في السويد الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات العامة في وضع اقتصادي أفضل بكثير مما كان عليه الحال قبل انتخابات عام 2022، إذ تشير أحدث البيانات إلى ارتفاع القوة الشرائية للأسر، وتراجع تكاليف الفوائد، وعودة الرواتب الحقيقية للنمو بعد سنوات قاسية من التضخم وارتفاع الأسعار.

وبحسب ما نشرته منصة Omni نقالا عن وكالة TT، وصل ما يسمى الدخل الحقيقي المتاح للأسر، أي الأموال التي تبقى بعد الضرائب مع تعديلها وفق تغير الأسعار والتضخم، إلى أعلى مستوى مسجل في السويد على المستوى الإجمالي. ونقلت Omni عن التقرير أن انخفاض التضخم والفوائد وارتفاع الأجور الحقيقية والتخفيضات الضريبية كلها ساهمت في هذا التحسن.

وقال الخبير الاقتصادي أميركو فرنانديز من SEB لوكالة الأنباء السويدية TT، إن هذا المقياس وصل إلى «أعلى مستوى تم تسجيله في السويد»، مشيرًا إلى أن تحسن الوضع لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى مجموعة من التطورات الاقتصادية التي حدثت خلال الأعوام الأخيرة.

وتؤكد بيانات هيئة الإحصاء السويدية الاتجاه نفسه. فقد ارتفع الدخل الحقيقي المتاح للأسر بنسبة 1 بالمئة خلال الربع الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وكان ذلك الربع الحادي عشر على التوالي الذي يسجل فيه هذا المقياس ارتفاعًا. كما تراجعت تكاليف فوائد الأسر بنسبة 10.1 بالمئة مقارنة بالعام السابق، في حين ارتفعت الأجور بنحو 3.7 بالمئة.

وتبدو الصورة مختلفة جذريًا عما كانت عليه في 2022 و2023، عندما أدى الارتفاع السريع في التضخم إلى تراجع حاد في قيمة الرواتب الحقيقية، بالتزامن مع رفع أسعار الفائدة، الأمر الذي ضغط بشدة على الأسر التي لديها قروض سكنية.

وقال محافظ البنك المركزي السويدي إريك تيدين إن القوة الشرائية للأسر أصبحت الآن أقوى مما كانت عليه قبل موجة التضخم في عامي 2022 و2023، موضحًا أن ارتفاع الدخل المتاح إلى جانب بعض التخفيضات الضريبية أدى إلى زيادة ملموسة في قدرة الأسر على الإنفاق.

ويرى الخبير الاقتصادي أندرس ستينكرونا من بنك Nordea أن الفارق مقارنة بالانتخابات السابقة أصبح محسوسًا لدى كثير من الناس، وقال لـTT إن المواطنين «يشعرون على الأرجح بأنهم أغنى بكثير مما كانوا عليه قبل أربع سنوات».

وأوضح أن التضخم والفائدة انخفضا، بينما بدأت الرواتب الحقيقية تدريجيًا في استعادة ما فقدته منذ عام 2021.

الفائدة لعبت دورًا كبيرًا

ولا يعزو الخبراء التحسن إلى سياسة الحكومة وحدها.

فقد قال فرنانديز إن التخفيضات الضريبية والسياسة المالية ساهمتا في تقوية اقتصاد الأسر، لكنه أشار إلى أن خفض البنك المركزي لسعر الفائدة كان عاملًا حاسمًا، خصوصًا بالنسبة للأسر التي لديها قروض سكنية كبيرة.

كما ساعد بقاء سوق العمل أكثر استقرارًا مما كان يخشى كثيرون على حماية دخل الأسر، إذ لم تشهد الشركات الكبرى موجة تسريحات بالحجم الذي كان متوقعًا رغم اضطرابات الاقتصاد العالمي وتقلب سعر الكرونة.

وفي الوقت نفسه أصبحت الأسر أقل مديونية قياسًا إلى دخلها. وتظهر بيانات هيئة الإحصاء أن نسبة ديون الأسر إلى دخلها المتاح انخفضت بشكل متواصل منذ الربع الأول من عام 2022، وبمجموع يقارب 25 نقطة مئوية حتى بداية 2026.

السويديون ادخروا أيضًا

أحد أسباب القوة الحالية هو أن كثيرًا من الأسر لم تنفق كل الزيادة التي حصلت عليها، بل بنت احتياطيات مالية خلال السنوات الأخيرة.

وقال ستينكرونا إن العديد من السويديين أصبح لديهم الآن هامش مالي جيد نسبيًا، الأمر الذي يجعلهم أكثر قدرة على تحمل صدمات اقتصادية جديدة إذا حدثت.

وهذا يطرح أيضًا سؤالًا سياسيًا قبل الانتخابات، حيث تتنافس الأحزاب حاليًا على تقديم تخفيضات ضريبية وإعانات وزيادات في مخصصات الأطفال والمتقاعدين بهدف تحسين اقتصاد الأسر.

ويرى ستينكرونا أنه إذا استمر التضخم منخفضًا واستمرت الأجور في الارتفاع، فإن اقتصاد الأسر سيتحسن بصورة طبيعية حتى من دون إجراءات سياسية كبيرة إضافية.

أما فرنانديز فقال إن هناك بالتأكيد أسرًا تحتاج إلى مزيد من الدعم، لكنه لا يرى، عند النظر إلى الأسر السويدية كمجموعة، وجود حاجة واسعة إلى ضخ مبالغ ضخمة جديدة في جيوب المواطنين.

الرقم القياسي لا يعني أن الجميع أصبح ثريًا

لكن وصف الوضع بأنه «قياسي» يحتاج إلى قدر من الحذر.

فالحديث يتعلق بمؤشر اقتصادي للأسر مجتمعة، ولا يعني أن جميع الأشخاص أو جميع أنواع الأسر استفادوا بالقدر نفسه. فالفروق بين أصحاب الدخول المرتفعة والمنخفضة، والعاطلين عن العمل، والمتقاعدين، والأسر ذات الوالد الواحد، وأصحاب القروض الكبيرة يمكن أن تكون واسعة.

وتظهر بيانات منفصلة لهيئة الإحصاء أن متوسط الدخل الفردي المتاح بعد تعديل التضخم ارتفع في الأشهر الأولى من 2026 مقارنة بالعام الماضي، لكن هناك فروقًا واضحة بين الرجال والنساء وبين البلديات والمجموعات المختلفة. ففي مارس/آذار ارتفع متوسط الدخل المتاح الحقيقي بنحو 3.5 بالمئة مقارنة بمارس 2025.

ولهذا يمكن أن تتعايش صورتان في الوقت نفسه: الأرقام الكلية تظهر أن اقتصاد الأسر السويدية أصبح أقوى من أي وقت مضى وفق بعض المقاييس، بينما لا تزال أسر كثيرة تواجه ضغوطًا مالية يومية نتيجة المستوى المرتفع للأسعار الذي تراكم خلال سنوات التضخم.

ومع اقتراب انتخابات 13 سبتمبر/أيلول، قد تصبح هذه المفارقة جزءًا مهمًا من المعركة السياسية: الحكومة ستتمكن من الإشارة إلى تحسن القوة الشرائية وانخفاض التضخم والفوائد، بينما ستسعى المعارضة إلى التركيز على الأسر التي لم تشعر بعد بأن انتعاش المؤشرات الاقتصادية وصل فعليًا إلى جيوبها.

المزيد من الأخبار ...

..آخر الأخبار ..

جميع الحقوق محفوظة © 2023 منصة دال ميديا الاخبارية