في صيف عام 1937، كانت منطقة الجزيرة السورية تعيش واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخها الحديث. ففي الوقت الذي كانت فيه سوريا لا تزال تحت الانتداب الفرنسي وتقترب من مرحلة الاستقلال، كانت مدن وبلدات الجزيرة تشهد حراكا سياسيا غير مسبوق قاده أكراد وسريان وآشوريون وأرمن طالبوا بإدارة محلية تحمي خصوصية المنطقة وتنوعها القومي والديني.
في تلك الأيام، لم تبق الأحداث محصورة داخل حدود سوريا، بل وصلت أصداؤها إلى أوروبا، حتى إن صحيفة أفتونبلاديت السويدية نشرت في أغسطس 1937 تقارير عن الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة، في مؤشر على حجم الاهتمام الدولي بما كان يجري آنذاك في أقصى شمال شرق سوريا.
الجزيرة السورية.. أرض اللجوء والتنوع
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى تحولت الجزيرة السورية إلى ملاذ لعشرات الآلاف من الناجين من المجازر التي تعرض لها الأرمن والسريان والآشوريون داخل الدولة العثمانية.
استقرت تلك العائلات في القامشلي وعامودا والدرباسية والحسكة ورأس العين وغيرها من مناطق الجزيرة، إلى جانب السكان الكرد والعرب الذين كانوا يعيشون في المنطقة منذ عقود طويلة.
وخلال سنوات قليلة أصبحت الجزيرة واحدة من أكثر مناطق سوريا تنوعا من الناحية القومية والدينية، حيث عاش فيها الكرد والعرب والسريان والآشوريون والأرمن واليزيديون ضمن نسيج اجتماعي معقد وفريد من نوعه.
لكن هذا التنوع كان يحمل في داخله أيضا مخاوف سياسية كبيرة.
الخوف من المستقبل بعد الاستقلال
مع اقتراب موعد الاستقلال السوري خلال ثلاثينيات القرن الماضي، بدأت النخب السياسية في دمشق بالتفاوض مع فرنسا حول مستقبل البلاد.
في المقابل، كانت شخصيات كردية وسريانية وآشورية في الجزيرة تنظر بقلق إلى ما يجري.
فقد خشي كثير من أبناء المنطقة من انتقال السلطة إلى حكومة مركزية قوية في دمشق قد لا تأخذ خصوصية الجزيرة بعين الاعتبار، خاصة أن المنطقة كانت بعيدة جغرافيا عن العاصمة وتتمتع بواقع اجتماعي مختلف عن باقي المحافظات السورية.
لهذا السبب بدأت تتشكل حركة سياسية واسعة ضمت زعماء كرد وسريان وآشوريين وأرمن، مطالبة بمنح الجزيرة وضعا إداريا خاصا داخل سوريا.
ولم تكن تلك المطالب دعوة للانفصال كما يصورها البعض اليوم، بل كانت ترتكز على عدة مطالب أساسية:
- إدارة محلية لأبناء المنطقة.
- ضمان تمثيل جميع المكونات.
- حماية اللغات والثقافات المحلية.
- تعيين موظفين وإداريين من سكان الجزيرة.
- الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.
تحالف كردي – مسيحي غير مسبوق
برز خلال تلك المرحلة تحالف سياسي نادر جمع شخصيات كردية وسريانية وآشورية وأرمنية.
وكان من أبرز الشخصيات المؤثرة الزعيم الكردي حاجو آغا، الذي لعب دورا بارزا في الدفاع عن مطالب سكان الجزيرة.
كما شاركت شخصيات دينية واجتماعية مسيحية في الحراك السياسي، معتبرة أن الإدارة المحلية تمثل أفضل ضمانة لحماية المجتمعات التي وصلت حديثا إلى المنطقة بعد سنوات من الاضطهاد والمجازر.
وقد نجح هذا التحالف في تحقيق حضور سياسي ملحوظ داخل الجزيرة، وأصبح يمثل قوة مؤثرة في الحياة العامة آنذاك.
دمشق ترفض المشروع
في المقابل، رفضت الحكومة الوطنية السورية والكتلة الوطنية في دمشق تلك المطالب.
ورأت القوى القومية العربية الصاعدة في ذلك الوقت أن منح الجزيرة وضعا خاصا قد يشكل تهديدا لوحدة الدولة السورية الناشئة.
وتصاعدت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، حيث اتهمت دمشق قادة الحركة بالسعي إلى تقسيم البلاد، بينما اتهم قادة الجزيرة الحكومة المركزية بتجاهل مخاوف السكان المحليين وعدم الاعتراف بخصوصية المنطقة.
ومع مرور الوقت انتقل الخلاف من المجال السياسي إلى التوتر الأمني.
عام 1937.. سنة الانفجار
في صيف 1937 وصلت الأزمة إلى ذروتها.
شهدت الجزيرة السورية مواجهات واضطرابات سياسية وأمنية واسعة، وتراجعت سلطة الحكومة المركزية في بعض المناطق لفترات محدودة.
وخلال تلك الأجواء المشحونة وقعت سلسلة من الأحداث الدامية التي تركت آثارا عميقة في ذاكرة المنطقة.
وكانت مدينة عامودا من أكثر المدن التي تأثرت بتلك التطورات.
أحداث عامودا والنزوح المسيحي
في أغسطس 1937 تعرض المسيحيون في عامودا لهجوم أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص ونزوح معظم العائلات المسيحية من المدينة.
وتشير روايات تاريخية متعددة إلى أن مئات المسلحين شاركوا في الهجوم، فيما اضطرت غالبية العائلات السريانية والآشورية إلى الفرار نحو القامشلي والحسكة.
وبالنسبة للكثير من أبناء تلك العائلات، لم يكن ما جرى مجرد حادث أمني عابر، بل شكل صدمة جديدة بعد أقل من عقدين على نجاتهم أو نجاة آبائهم من المجازر التي شهدتها الأناضول خلال الحرب العالمية الأولى.
وأدى ذلك إلى تغيير ملموس في التركيبة السكانية لمدينة عامودا، بعدما غادرها جزء كبير من سكانها المسيحيين.
لماذا اهتمت الصحافة السويدية؟
قد يبدو غريبا اليوم أن تخصص صحيفة سويدية مساحة لأحداث وقعت في مدينة صغيرة في الجزيرة السورية.
لكن في ثلاثينيات القرن الماضي كانت أوروبا تتابع أوضاع الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط باهتمام كبير.
فبعد مجازر الأرمن والسريان والآشوريين في الحرب العالمية الأولى، ثم مجزرة سميل في العراق عام 1933، أصبحت أي أخبار تتعلق بالمسيحيين في المنطقة تحظى بمتابعة واسعة داخل الصحافة الأوروبية.
ولهذا السبب وصلت أخبار أحداث الجزيرة السورية إلى صحف أوروبية عدة، ومن بينها أفتونبلاديت السويدية التي نقلت التطورات الدامية التي شهدتها المنطقة خلال أغسطس 1937.
صفحة منسية من تاريخ الجزيرة
رغم مرور ما يقارب تسعين عاما على تلك الأحداث، ما زالت مرحلة 1937 واحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ الجزيرة السورية.
فبالنسبة للكثير من الكرد والسريان والآشوريين، تمثل تلك المرحلة تجربة سياسية مبكرة حاولت بناء شراكة بين مكونات المنطقة والدفاع عن خصوصيتها.
أما بالنسبة لآخرين، فهي مرحلة شهدت صراعا حادا بين مشروع الإدارة المحلية ومشروع الدولة المركزية الناشئة.
ومهما اختلفت القراءات السياسية، يبقى الثابت أن الجزيرة السورية شهدت قبل نحو تسعة عقود حراكا سياسيا مشتركا بين الكرد والمسيحيين، وأن الأحداث التي رافقت ذلك الحراك كانت من الأهمية بمكان حتى وصلت أخبارها إلى الصحافة الأوروبية وأصبحت مادة للنقاش خارج حدود سوريا.
المصدر: وثائق الانتداب الفرنسي، دراسات تاريخ الجزيرة السورية، أبحاث حول أحداث عامودا 1937، ومراجع تاريخية عن الحركة السياسية في الجزيرة خلال ثلاثينيات القرن العشرين.

























