تدخل السويد اليوم التالي للانتخابات أمام مشهد سياسي شديد التعقيد، إذ لا يزال الفارق بين المعسكرين ضئيلًا رغم فرز الجزء الأكبر من الأصوات، فيما بدأت الأحزاب بالفعل اتصالاتها وتحركاتها الأولى استعدادًا لمعركة تشكيل الحكومة، من دون أن يكون أي طرف قادرًا حتى الآن على إعلان النصر أو الاعتراف بالهزيمة.
وبعد وصول الفرز إلى نحو 95 بالمئة، بقيت المعارضة المكونة من الاشتراكيين الديمقراطيين واليسار والوسط والبيئة في المقدمة بـ176 مقعدًا، مقابل 173 مقعدًا للمحافظين وديمقراطيي السويد والمسيحيين الديمقراطيين والليبراليين.
وعلى مستوى الأصوات، تحصل المعارضة على نحو 49.5 بالمئة مقابل 49.1 بالمئة لأحزاب تيدو، فيما يبلغ الفارق بين الجانبين نحو 28 ألف صوت فقط.
لكن هذه النتيجة ما تزال مؤقتة، إذ ينتظر أن يُحسب يوم الأربعاء أكثر من 200 ألف صوت تشمل بالدرجة الأولى أصوات السويديين في الخارج وأصوات التصويت المبكر التي وصلت متأخرة.
وقال محلل الانتخابات في SVT فؤاد يوسفسي إنه لا يمكن في الوقت الراهن معرفة ما إذا كانت أصوات الأربعاء ستصب أكثر لمصلحة اليمين أو اليسار. ومع وجود ثلاثة مقاعد فقط بين المعسكرين، فإن انتقال مقعد واحد أو اثنين قد يصبح بالغ الأهمية في الحسابات البرلمانية المقبلة.
وكان توزيع المقاعد قد تحرك عدة مرات خلال الليل. ففي إحدى المراحل تقدمت المعارضة بـ176 مقابل 173، قبل أن يتقلص الفارق إلى 175 مقابل 174، ثم يعود مجددًا قرابة الخامسة صباحًا إلى 176 مقابل 173، في واحدة من أكثر ليالي الانتخابات تقاربًا في السويد.
وفي انتظار اكتمال العد، بدأت المعركة السياسية على الحكومة تتحرك بالفعل.
الأمين العام للحزب الاشتراكي الديمقراطي توبياس باودين أكد أنه يجري اتصالات عبر الرسائل النصية مع نظرائه في أحزاب المعارضة، وقال إن حزبه مستعد «لتحمل المسؤولية وقيادة السويد».
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن مفاوضات تشكيل الحكومة لم تبدأ رسميًا بعد، وأن الحزب يريد انتظار النتيجة النهائية أولًا. واعترف باودين بأن الطريق إلى تشكيل حكومة جديدة قد يكون طويلًا و«متعرجًا».
والمشكلة الرئيسية أمام ماغدالينا أندرسون ليست في جمع 176 مقعدًا على الورق فقط، وإنما في التوفيق بين حزبين تحتاج إليهما، لكن موقفيهما بشأن الحكومة يتعارضان بصورة مباشرة.
زعيمة حزب اليسار نوشي دادغوستار أكدت أن حزبها، إذا كانت مقاعده ضرورية لتشكيل الحكومة، سيطالب بالمشاركة فيها والحصول على مناصب وزارية، قائلة إن ناخبي حزبها لا تقل قيمة أصواتهم عن ناخبي الأحزاب الأخرى.
لكن حزب الوسط يتمسك بالاتجاه المعاكس. زعيمته إليزابيث تاند رينغكفيست أعلنت قبل الانتخابات أنها تفضل حتى إجراء انتخابات إضافية على السماح بتشكيل حكومة يشارك فيها حزب اليسار، وتدفع بدلًا من ذلك باتجاه صيغة حكومية أكثر تمركزًا في الوسط.
وهكذا، إذا بقي توزيع المقاعد الحالي، فقد تجد أندرسون نفسها أمام مفارقة صعبة: هي تحتاج عمليًا إلى الوسط واليسار معًا، لكن أحدهما يريد دخول الحكومة والآخر يرفض دخوله إليها.
وفي الجانب الآخر، لا تظهر قيادة المحافظين أي استعداد للتعامل مع النتيجة الحالية باعتبارها هزيمة نهائية.
وزير العدل غونار سترومر قال صباح الاثنين إنه لا يريد استخلاص أي استنتاجات قبل تثبيت النتيجة النهائية، وعندما سُئل عن الأحزاب التي يمكن للمحافظين التفكير في التعاون معها، تجنب تقديم جواب محدد.
كما رفض سترومر الدخول في التكهنات حول إمكانية خلافته لأولف كريسترشون في قيادة الحزب، وركز بدلًا من ذلك على النتيجة التي حققها المحافظون في الانتخابات.
ويخرج المحافظون بالفعل من الانتخابات في موقع أقوى داخل الجانب اليميني، إذ يستعيد الحزب موقعه كأكبر حزب في معسكر تيدو ويتقدم على ديمقراطيي السويد، بعد أن فقد هذا الموقع لصالح SD في انتخابات 2022.
أما رئيس الوزراء أولف كريسترشون فلم يعلن الهزيمة هو الآخر، وقال إن معرفة أين ستنتهي الأمور لا تزال تنتظر النتيجة، فيما كان قد فتح الباب خلال ليلة الانتخابات أمام التواصل مع أحزاب أخرى واختبار إمكانيات جديدة للتعاون السياسي.
وهذا الغموض بشأن تحركات المحافظين يضع حزب الوسط مرة أخرى في قلب الحسابات، خصوصًا أن المحافظين والمسيحيين الديمقراطيين بدأوا التركيز علنًا على الخلافات بين الوسط واليسار.
وزير البنية التحتية والإسكان أندرياس كارلسون من المسيحيين الديمقراطيين حذر من أن السويد قد تواجه حالة من «الفوضى» إذا بقيت النتيجة الحالية، بسبب صعوبة جمع أحزاب المعارضة في حكومة واحدة.
كما أغلقت زعيمة المسيحيين الديمقراطيين إيبا بوش الباب أمام فكرة المشاركة في حكومة مع الاشتراكيين الديمقراطيين، معتبرة أن تيدو لا يزال البديل الحكومي الجاهز، وأن أندرسون لم تقدم حتى الآن صيغة حكومية متماسكة يمكن للأحزاب الأربعة الاتفاق عليها.
وبذلك بدأت تتشكل استراتيجيتان متوازيتان.
الاشتراكيون الديمقراطيون يحاولون الحفاظ على كتلة الـ176 مقعدًا وتهيئة الأرضية لاتفاق يجمع الوسط واليسار والبيئة خلف أندرسون، بينما ينتظر المحافظون النتيجة النهائية ويراهنون على أن التناقضات بين هذه الأحزاب قد تمنعها من تقديم بديل حكومي قابل للحياة.
ويزيد النظام البرلماني السويدي من أهمية هذه الحسابات، لأن رئيس الوزراء لا يحتاج إلى الحصول على 175 صوتًا مؤيدًا له في البرلمان، وإنما يكفي ألا يصوت 175 نائبًا أو أكثر ضده. وهذا يجعل الامتناع عن التصويت أداة حاسمة، ويفتح الباب أمام حكومات أقلية وترتيبات سياسية لا تتطابق بالضرورة مع تقسيم المعسكرات ليلة الانتخابات.
ولهذا فإن تقدم المعارضة بثلاثة مقاعد لا يعني تلقائيًا أن ماغدالينا أندرسون ستكون رئيسة الوزراء المقبلة، كما أن حصول أحزاب تيدو على 173 مقعدًا لا يعني أن أولف كريسترشون فقد السلطة بالفعل.
المرحلة الأولى من الحسم ستكون مع أصوات الأربعاء، لكن حتى إذا بقيت النتيجة عند 176 مقابل 173، قد تبدأ بعدها معركة سياسية أصعب من عملية فرز الأصوات نفسها.
فالاشتراكيون بدأوا اتصالاتهم، والمحافظون يرفضون كشف أوراقهم، والوسط واليسار يتمسكان حتى الآن بشروط يصعب الجمع بينها.
28 ألف صوت فقط تفصل المعسكرين، لكن السؤال الذي قد يستغرق وقتًا أطول للإجابة عنه لم يعد فقط من فاز بالانتخابات، وإنما: من يستطيع جمع البرلمان خلف حكومة تحكم السويد؟
المصدر: Omni


























