أعلنت الولايات المتحدة للمرة الأولى بصورة علنية أنها تمتلك أسلحة عسكرية موجودة بالفعل في مدار حول الأرض، في خطوة توصف بأنها تحول مهم في الطريقة التي تتحدث بها واشنطن عن قدراتها العسكرية في الفضاء، وسط تصاعد المنافسة مع الصين وروسيا والاستعداد لاحتمال امتداد الحروب المستقبلية إلى خارج الغلاف الجوي.
وجاء الإعلان على لسان وزير القوات الجوية الأميركي تروي مينك، الذي قال خلال مؤتمر عسكري في ولاية ماريلاند إن الولايات المتحدة بات لديها ما وصفه بـ«أسلحة للتحكم في الفضاء موجودة في المدار»، وقادرة على حماية القوات الأميركية المشتركة من أعمال عدائية. ولم يكشف مينك عن عدد هذه الأنظمة أو شكلها أو مداراتها أو الطريقة التي تعمل بها.
ويعد التصريح أقوى اعتراف علني حتى الآن من مسؤول في البنتاغون بوجود أسلحة أميركية فعلية في الفضاء. وأكد مسؤول بارز في القيادة الفضائية الأميركية لاحقًا أن الكشف عن وجود هذه القدرات متعمد، وقال إن الإعلان عنها يساعد في ردع الخصوم من مهاجمة الأنظمة الفضائية التي تعتمد عليها القوات الأميركية وحلفاؤها، لكنه رفض هو الآخر الكشف عن طبيعتها أو قدراتها التقنية.
وتحدث التلفزيون السويدي SVT إلى يوهان كولر، مدير الأبحاث في وكالة الفضاء السويدية، الذي وصف الإعلان بأنه تطور لافت، مشيرًا إلى أن الدول تجنبت تاريخيًا الإعلان بصورة صريحة عن نشر أسلحة في الفضاء.
لكن ما نوع هذه الأسلحة؟
هذا هو السؤال الذي ترفض واشنطن الإجابة عنه حتى الآن.
مصطلح «Space control weapons» أو «أسلحة التحكم في الفضاء» واسع جدًا، ويمكن أن يشمل أنظمة هجومية أو دفاعية قادرة على تعطيل أقمار صناعية معادية، أو التشويش على اتصالاتها، أو إبهار أجهزة الاستشعار بالليزر، أو التدخل في عملها بوسائل إلكترونية، وقد يشمل كذلك قدرات حركية قادرة على التعامل ماديًا مع أجسام أخرى في المدار.
لكن لا يوجد حتى الآن تأكيد بأن الأسلحة الأميركية المعلن عنها تحمل صواريخ أو ذخائر تقليدية، ولا أن مهمتها مهاجمة أهداف على سطح الأرض.
وزير القوات الجوية رفض تحديد ذلك، كما أوضح مسؤولون أميركيون أن الكشف عن التفاصيل الدقيقة قد يقوض الغرض من إبقاء قدرات الخصم غير معروفة.
وهذه نقطة مهمة في صياغة الخبر: الولايات المتحدة أكدت وجود أسلحة في المدار، لكنها لم تكشف ما هي.
واشنطن: الإعلان جزء من الردع
الولايات المتحدة تقول إن هذه الخطوة تأتي في ظل تزايد القدرات الروسية والصينية المضادة للأقمار الصناعية.
وقال ريتشارد بالمر، المسؤول في القيادة الفضائية الأميركية، إن القوات الأميركية وقوات حلفائها تعتمد بصورة أساسية على الفضاء، وكذلك الاقتصادات الحديثة، وإن واشنطن تريد أن تكون مستعدة للدفاع عن هذه البنية إذا فشل الردع.
وتشكل الأقمار الصناعية اليوم جزءًا أساسيًا من العمليات العسكرية، بدءًا من الاتصالات والاستخبارات وتحديد المواقع عبر GPS، ووصولًا إلى توجيه الأسلحة والإنذار المبكر من الصواريخ.
ولهذا يرى المخططون العسكريون أن تعطيل الأقمار الصناعية للخصم في بداية حرب كبيرة قد يكون قادرًا على إضعاف جيشه بصورة حادة.
وأجرت القيادة الفضائية الأميركية مؤخرًا أكبر مناورة مدارية لها تحت اسم Apollo Maneuvers، شاركت فيها أقمار صناعية في مدارات مختلفة إلى جانب شركاء دوليين وتجاريين، في مؤشر آخر على تحول الفضاء من مجال للمراقبة والاتصالات إلى ساحة تستعد الجيوش للعمل والقتال داخلها.
الصين: الولايات المتحدة تستعد للحرب في الفضاء
الإعلان الأميركي أثار ردًا حادًا من بكين.
وبحسب SVT، اتهمت الخارجية الصينية الولايات المتحدة بالاستعداد لـ**«حرب في الفضاء الخارجي»**، وحذرت من أن هذه السياسة قد تدفع نحو سباق تسلح وتحول الفضاء إلى ساحة مواجهة عسكرية.
وتتبادل واشنطن وبكين منذ سنوات الاتهامات بشأن تطوير قدرات يمكن استخدامها ضد الأقمار الصناعية.
وتشير تقارير إلى أن الصين تطور أقمارًا قادرة على المناورة والاقتراب من أجسام أخرى في المدار، إلى جانب قدرات للتشويش والليزر وعمليات الالتحام الفضائي. وفي المقابل تعمل الولايات المتحدة على تطوير أنظمة مشابهة وقدرات متزايدة للعمل قرب الأقمار الصناعية الأخرى.
روسيا تحذر من «عواقب كارثية»
موسكو بدورها ردت بقوة على الإعلان الأميركي.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن واشنطن، سعياً وراء مصالحها، تتجاهل ما وصفته بـ**«العواقب الكارثية على البشرية»** التي قد تنتج عن نشوب صراع مسلح في المدار.
وحذرت من أن حربًا فضائية لن تبقى محصورة في المجال العسكري، لأن جزءًا هائلًا من الحياة الاقتصادية والمدنية على الأرض يعتمد اليوم على الأقمار الصناعية، من الاتصالات والملاحة إلى البنوك والأرصاد الجوية والنقل.
وأعلنت روسيا كذلك أنها ستطرح في الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات جديدة تهدف إلى منع نشر الأسلحة في الفضاء وزيادة الشفافية بشأن الأنشطة المدارية.
لكن الولايات المتحدة تتهم روسيا نفسها منذ سنوات بتطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية، وحذرت إدارة بايدن عام 2024 من معلومات استخباراتية تشير إلى عمل موسكو على نظام نووي فضائي يمكن استخدامه لتعطيل أو تدمير عدد كبير من الأقمار الصناعية.
وفي عام 2021 اختبرت روسيا صاروخًا مضادًا للأقمار الصناعية عبر تدمير أحد أقمارها القديمة، ما أدى إلى انتشار آلاف القطع من الحطام في المدار وأثار انتقادات دولية واسعة.
هل وضع الأسلحة في الفضاء مخالف للقانون الدولي؟
ليس بالضرورة.
وهذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى توضيح في الخبر.
معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تحظر وضع الأسلحة النووية أو غيرها من أسلحة الدمار الشامل في مدار الأرض، كما تحظر عسكرة القمر والأجرام السماوية الأخرى. لكنها لا تفرض حظرًا شاملًا على الأسلحة التقليدية الموجودة في مدار الأرض.
ولذلك، ما لم تكن الأسلحة التي أعلنت عنها الولايات المتحدة نووية أو من فئة أسلحة الدمار الشامل، فإن مجرد وجودها في المدار لا يعني بحد ذاته خرق المعاهدة.
المشكلة التي يحذر منها خبراء القانون والأمن ليست فقط في قانونية النظام الواحد، بل في أن قواعد وضوابط التسلح الفضائي الحالية أُنشئت قبل نحو ستة عقود، عندما لم تكن التكنولوجيا الموجودة اليوم متصورة أصلًا.
سباق جديد فوق رؤوسنا؟
الإعلان الأميركي لا يعني أن عسكرة الفضاء بدأت اليوم. الأقمار الصناعية العسكرية موجودة منذ عقود، كما تمتلك عدة دول قدرات أرضية يمكنها مهاجمة أقمار صناعية.
الجديد هو أن واشنطن أصبحت تتحدث علنًا عن أسلحة موجودة داخل المدار نفسه.
وتقول وكالة رويترز إن القوى الفضائية الكبرى أصبحت تنظر بصورة متزايدة إلى الأقمار الصناعية ليس فقط باعتبارها أدوات اتصال ومراقبة، وإنما كمنصات تستطيع المناورة والتشويش وتعطيل أو حتى السيطرة على مركبات فضائية أخرى.
حتى دول أوروبية بدأت تتحرك في الاتجاه نفسه. ألمانيا، على سبيل المثال، تخطط لإنفاق عشرات المليارات من اليورو لتعزيز دفاعها الفضائي، بما يشمل قدرات يمكنها التشويش على أقمار الخصم، مع تأكيدها أنها لا تريد نشر أسلحة تدميرية تنتج كميات كبيرة من الحطام المداري.
وبذلك، لا تكمن أهمية الإعلان الأميركي فقط في معرفة أن الولايات المتحدة وضعت سلاحًا ما في مدار الأرض، وإنما في إزالة قدر إضافي من الغموض عن سباق تسلح كان يجري إلى حد كبير خلف الأبواب المغلقة.
فالأسلحة موجودة الآن باعتراف رسمي أميركي، والصين وروسيا تحذران من سباق تسلح، بينما لا يعرف العالم حتى الآن بصورة علنية ماهية الأنظمة التي تدور فوق الأرض أو ما الذي يمكنها فعله.


























