أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» أنه سيواصل عملية التشاور بشأن مشروعه المثير للجدل لإدخال مستثمرين من القطاع الخاص إلى شركة جديدة ستتولى إدارة الحقوق التجارية والعمليات المرتبطة بكأس العالم وبقية بطولاته، رغم تهديد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم واتحاداته الوطنية بمقاطعة جميع مسابقات فيفا في حال استمرار الخطة.
وقال فيفا في بيان صدر فجر الجمعة 31 يوليو/تموز إنه سيواصل المشاورات لضمان حصول جميع الاتحادات الوطنية الأعضاء على فرصة الاطلاع على الحقائق والتعبير عن موقفها من المقترح. واتهم الاتحاد الدولي ما وصفها بتقارير إعلامية غير صحيحة بالتشويش على عملية التشاور التي أطلقها قبل أيام.
وأضاف فيفا في رده على موجة الانتقادات: «لا أحد يبيع كرة القدم»، مؤكدًا أن أي جهة منفردة لا تستطيع الادعاء بأنها تمثل جميع الاتحادات الوطنية الأعضاء البالغ عددها 211 اتحادًا، وأن كل اتحاد يجب أن يحصل على فرصة مراجعة المقترح والمشاركة في صياغة مستقبله.
وجاء موقف فيفا بعد اجتماع طارئ عقده الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» مع ممثلي اتحادات القارة الـ55، وانتهى إلى رفض المشروع بالإجماع والتهديد بعدم مشاركة المنتخبات الأوروبية في بطولات فيفا طالما بقي المقترح قائمًا.
وأكد يويفا أن منتخباته لن تعود للمشاركة إلا إذا سحب فيفا المشروع بالكامل وقدم ضمانات ملزمة بعدم فتح ملكية بطولاته أو إدارتها أمام المستثمرين من القطاع الخاص في المستقبل. ووصف الاتحاد الأوروبي كأس العالم بأنها إرث رياضي بُني على مدى أجيال بواسطة اللاعبين والمنتخبات والمشجعين، ولا يجوز التعامل معها بوصفها منتجًا استثماريًا.
وقال يويفا إن دخول مستثمرين خارجيين إلى الهيكل التجاري لبطولات فيفا سيجعل تحقيق العائد المالي التزامًا دائمًا، وقد يؤدي إلى ممارسة ضغوط متواصلة لتغيير مواعيد البطولات أو أنظمتها أو عدد الفرق والمباريات بما يخدم مصالح المساهمين.
وأشار الاتحاد الأوروبي إلى أن الخطة، بحسب موقفه، أُعدت بصورة سرية ووصلت إلى مرحلة متقدمة من دون إجراء مشاورات حقيقية مع الاتحادات القارية والوطنية المسؤولة عن إدارة اللعبة.
ما المشروع الذي يقترحه فيفا؟
تقوم الخطة على إنشاء شركة جديدة تحمل اسم «FIFA Forward Enterprise»، تختصر بـ«FFE»، وتبلغ قيمتها الأولية المقدرة نحو 20 مليار دولار.
وبحسب المعلومات الرسمية التي نشرها فيفا، ستجمع الشركة الجديدة الحقوق التجارية للاتحاد الدولي، بما يشمل حقوق البث التلفزيوني والرعاية والتذاكر والتراخيص التجارية، إلى جانب العمليات المتعلقة بتنظيم بطولات الرجال والسيدات والفئات العمرية.
ويريد فيفا جمع ما يصل إلى 4.2 مليار دولار من خلال بيع حصص أقلية غير مسيطرة في الشركة الجديدة إلى مجموعة من المستثمرين الخارجيين. وتصل الحصة المقترح بيعها، بحسب وكالة رويترز، إلى نحو 20 في المئة من الشركة.
وأكد فيفا أنه سيبقى المالك والمسيطر على الشركة، وأنه سيحتفظ وحده بسلطة اتخاذ القرارات الرياضية والتنظيمية، بما في ذلك أنظمة البطولات وجدول المباريات واللوائح والقضايا المتعلقة بإدارة كرة القدم.
ومن المتوقع أن تقود مجموعة «Thrive Eternal»، التابعة لشركة «Thrive Capital» التي أسسها المستثمر الأميركي جوشوا كوشنر، مجموعة المستثمرين المحتملين. وجوشوا هو شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاره السابق.
أموال إضافية للاتحادات الوطنية
يروج رئيس فيفا جياني إنفانتينو للمشروع باعتباره وسيلة لزيادة تمويل تطوير كرة القدم في مختلف دول العالم، ولا سيما الاتحادات الصغيرة التي تعتمد بدرجة كبيرة على المنح المالية التي يقدمها الاتحاد الدولي.
وتقول الخطة الرسمية إن التمويل الأساسي المتاح لكل اتحاد وطني خلال دورة 2027–2030 قد يرتفع من 8 ملايين دولار إلى 20 مليون دولار، على أن يُستخدم في بناء الملاعب ومراكز التدريب ودعم المنتخبات والمسابقات المحلية وكرة القدم النسائية وبرامج الفئات العمرية.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن إنفانتينو حدد يوم 19 سبتمبر/أيلول موعدًا للاتحادات الأعضاء لقبول العرض، وأن التقديرات التي قُدمت إليها تتوقع حصول كل اتحاد على تمويل يصل إلى 86 مليون دولار حتى عام 2038، مقارنة بنحو 36 مليون دولار وفق النظام الحالي.
لكن معارضي المشروع يرون أن تقديم مبالغ مالية كبيرة للاتحادات بالتزامن مع مطالبتها بالموافقة خلال مهلة قصيرة يضعها تحت ضغط، ولا سيما الاتحادات التي تعتمد على تمويل فيفا في تشغيل برامجها وبناء منشآتها.
الاتحاد السويدي: فيفا تجاوز خطًا أحمر
السويد من بين الاتحادات الأوروبية الـ55 التي أيدت موقف يويفا الرافض للمشروع.
وقال رئيس الاتحاد السويدي لكرة القدم سيمون أوستروم لقناة SVT إن فيفا «تجاوز خطًا أحمر»، معربًا عن اعتقاده بأن الاتحاد الدولي قد يضطر في نهاية المطاف إلى التراجع أمام المعارضة الواسعة.
وأوضح موقف يويفا أن اعتراض الاتحادات الأوروبية لا يتعلق فقط بطريقة عرض المشروع أو المهلة الزمنية، بل بفكرة منح مستثمرين خاصين ملكية داخل الشركة التي ستدير المصالح التجارية لبطولات كأس العالم.
المعارضة تمتد خارج أوروبا
لم تقتصر المعارضة على الاتحادات الأوروبية، إذ أعلن اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف»، الذي يضم 41 اتحادًا من بينها اتحادات الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، رفضه للمشروع.
وأعرب كونكاكاف عن قلقه من غياب الإجراءات القانونية والإدارية الكافية، وقصر المهلة المحددة لدراسة المقترح، وعدم عرضه مسبقًا على هيئات الحوكمة المختصة داخل فيفا.
وتساءل الاتحاد القاري كذلك عن سبب حاجة فيفا إلى أموال المستثمرين الخارجيين بعد تنظيم ما وصف بأنه أكثر نهائيات كأس العالم تحقيقًا للإيرادات في تاريخ الاتحاد الدولي. لكنه لم ينضم حتى الآن إلى تهديد يويفا بمقاطعة البطولات.
كما وجه رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة رسالة شديدة اللهجة إلى الاتحادات الآسيوية، محذرًا من أن تحركات فيفا الأحادية قد تقوض الأسس التي تقوم عليها كرة القدم القارية.
وطالب الاتحاد الآسيوي بالحصول على معلومات أكثر وضوحًا بشأن الجوانب القانونية والمالية والإدارية للمشروع، وتأثيره المحتمل في البطولات القارية والدوريات المحلية وجدول المباريات الدولي.
لماذا تخشى الاتحادات القارية المشروع؟
تخشى الاتحادات القارية أن يدفع المستثمرون باتجاه زيادة عدد بطولات فيفا والفرق المشاركة والمباريات التي تقام خلال العام، بهدف رفع عائدات البث والرعاية والتذاكر.
وقد يؤدي ذلك إلى ازدحام أكبر في جدول المباريات، وإضعاف القيمة التجارية والرياضية لمسابقات الاتحادات القارية، مثل دوري أبطال أوروبا وكأس آسيا وكأس أمم أفريقيا وكوبا أميركا، إلى جانب التصفيات القارية المؤهلة إلى كأس العالم.
وترى هذه الاتحادات أن امتلاك المستثمرين حصة تجارية، حتى لو لم تمنحهم سلطة رسمية لاتخاذ القرارات الرياضية، قد يوفر لهم نفوذًا غير مباشر من خلال مطالبتهم بزيادة الأرباح وقيمة الشركة.
في المقابل، يقول فيفا إن المستثمرين سيحصلون على حصص أقلية فقط، ولن يمتلكوا سلطة التحكم بالشركة أو التدخل في القرارات الرياضية، وإن جميع العوائد الصافية ستُعاد إلى كرة القدم وتمويل مشاريع التطوير حول العالم.
هل يستطيع يويفا إيقاف الخطة؟
يحتاج المشروع إلى موافقة أغلبية الاتحادات الوطنية الأعضاء في فيفا، إضافة إلى موافقات مجلس الاتحاد الدولي ذات الصلة، قبل تأسيس الشركة وبيع أي حصص للمستثمرين.
ويضم يويفا 55 اتحادًا، بينما يضم كونكاكاف 41 اتحادًا، ما يعني أن الجهتين تمثلان معًا 96 صوتًا من أصل 211، وهو عدد يقل عن نصف أعضاء فيفا بقليل. ولذلك لا تكفي معارضتهما العددية وحدها لإسقاط الخطة، لكنها تمنح تهديد المقاطعة وزنًا رياضيًا واقتصاديًا بالغًا.
ومن شأن غياب المنتخبات الأوروبية عن بطولات فيفا أن يؤثر بصورة مباشرة في القيمة الرياضية والتجارية لكأس العالم، نظرًا إلى مكانة منتخبات أوروبا وحجم أسواق البث والرعاية التابعة لها.
وقد يصبح الخلاف عمليًا خلال فترة قصيرة، لأن بطولة كأس العالم للسيدات تحت 20 عامًا، التي تستضيفها بولندا، من المقرر أن تبدأ في 5 سبتمبر/أيلول، في حين يستمر مقترح فيفا قائمًا والتهديد الأوروبي بالمقاطعة ساريًا.
فيفا يرفض التراجع
كان إنفانتينو قد وصف المشروع في وقت سابق بأنه «فرصة وليس التزامًا»، مشددًا على أن إطلاق المشاورات لا يعني أن الخطة أصبحت قرارًا نهائيًا.
وقال إن فيفا سيستمر في إدارة كرة القدم وبطولاته الأساسية من دون تدخل خارجي، وإن المشجعين سيبقون في قلب اللعبة.
لكن بيان فيفا الأخير يؤكد أن الاتحاد الدولي لا يعتزم وقف المشروع استجابة للتهديد الأوروبي، بل سيواصل عرضه على الاتحادات الأعضاء ومحاولة الحصول على دعم الأغلبية.
وبذلك تدخل كرة القدم العالمية واحدة من أخطر أزماتها الإدارية خلال السنوات الأخيرة، في ظل مواجهة مفتوحة بين فيفا من جهة، ويويفا وعدد متزايد من الاتحادات القارية والوطنية من جهة أخرى، وسط أسئلة تتعلق بملكية الحقوق التجارية لكأس العالم، وحدود دور المستثمرين، ومستقبل البطولات الدولية في حال تحولت تهديدات المقاطعة إلى خطوات فعلية.
المصدر: SVT



























