«معظم المسيحيين سيغادرون لو استطاعوا».. الخوف يخيّم على مسيحيي سوريا بعد موجات العنف

المسيحيين في سوريا. syriacpress

يعيش مسيحيو سوريا حالة من القلق وعدم اليقين بشأن مستقبلهم، بعد سلسلة من أعمال العنف التي استهدفت أقليات دينية منذ سقوط نظام بشار الأسد، فيما يقول مسيحيون إن الخوف من وقوع هجمات جديدة أصبح جزءًا من حياتهم اليومية، حتى مع استمرار الحكومة الجديدة في التأكيد أنها تريد بناء دولة تضم جميع السوريين.

وفي تقرير من سوريا نشره التلفزيون السويدي SVT، الأحد 9 أغسطس/آب، التقت القناة مسيحيين في دير مار موسى الحبشي، الواقع في الصحراء خارج دمشق، حيث يجتمع مسيحيون ومسلمون ومنتمون إلى طوائف مختلفة للصلاة وتناول الطعام والحديث مع بعضهم البعض.

ويبدو المشهد داخل الدير بعيدًا تمامًا عن الصراعات الطائفية التي شهدتها البلاد: أشخاص ينتمون إلى ديانات وطوائف مختلفة يجلسون معًا ويتبادلون الحديث ويصلّون في المكان نفسه.

وقال الأب جهاد يوسف، رئيس دير مار موسى، لـSVT إن الدير يستقبل مسلمين ومسيحيين من طوائف مختلفة، وإنهم يتشاركون الطعام والصلاة ويتعرفون إلى بعضهم بصورة أفضل، معتبرًا أن هذا هو بالضبط ما تحتاج إليه سوريا في المرحلة الحالية.

لكن خلف هذه الصورة الهادئة توجد مخاوف كبيرة بشأن المستقبل.

«معظمهم يريدون ركوب أول طائرة»

تقول ساندرا عوض، وهي امرأة مسيحية قابلتها SVT في سوريا، إن الخوف منتشر على نطاق واسع داخل المجتمع المسيحي.

وبحسب وصفها، فإن كثيرين لا يعرفون ما إذا كان الوضع الأمني سيتحسن، ولا مدى قدرة السلطات الجديدة على حماية الأقليات ومنع تكرار الهجمات ذات الطابع الديني والطائفي.

وقالت عوض إن «الناس في المجتمع المسيحي خائفون»، مضيفة أن معظم المسيحيين، بحسب تقديرها، يرغبون في ركوب أول طائرة ومغادرة البلاد إذا أتيحت لهم الفرصة. وهذا توصيف صادر عنها وليس إحصاءً رسميًا لحجم الرغبة في الهجرة لدى المسيحيين السوريين.

وترتبط هذه المخاوف خصوصًا بالأحداث التي شهدتها سوريا منذ سقوط حكم بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، إذ تعرضت أقليات مختلفة، من بينها العلويون والدروز والمسيحيون، لهجمات وأعمال عنف خلال المرحلة الانتقالية.

تفجير الكنيسة غيّر الشعور بالأمان

إحدى أكثر الأحداث التي تركت أثرًا عميقًا لدى المسيحيين كانت الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق في يونيو/حزيران 2025.

ووفق وكالة رويترز، قُتل ما لا يقل عن 25 شخصًا وأصيب أكثر من 60 آخرين عندما دخل مهاجم الكنيسة أثناء وجود المصلين وأطلق النار قبل أن يفجر حزامًا ناسفًا. وألقت السلطات السورية المسؤولية على تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».

وكان ذلك أول هجوم كبير من نوعه يستهدف كنيسة في العاصمة بعد وصول السلطات الجديدة إلى الحكم، وأثار أسئلة واسعة لدى الأقليات بشأن قدرة أجهزة الأمن الجديدة على حمايتها.

وتقول ساندرا عوض إن أثر الهجوم ما زال ظاهرًا حتى اليوم، إذ أصبح أفراد من قوات الأمن يقفون خارج الكنائس أثناء إقامة القداديس لحماية المصلين.

العنف لم يتوقف عند تفجير دمشق

والمخاوف المسيحية لم تنشأ من تفجير مار إلياس وحده.

ففي مارس/آذار 2026 شهدت بلدة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في محافظة حماة أعمال عنف طائفية، بعد أن تحول خلاف بين شخصين إلى هجوم واسع نفذه عشرات الرجال القادمين من بلدة مجاورة، وألحقت الهجمات أضرارًا بمنازل ومتاجر وسيارات تعود لمسيحيين.

ووصف سكان البلدة لوكالة أسوشيتد برس تلك الليلة بأنها حالة من الرعب والخوف والهلع، فيما أعادت الأحداث إلى الواجهة السؤال نفسه: هل تستطيع الدولة الجديدة منع النزاعات المحلية من التحول إلى هجمات طائفية ضد مجتمعات بأكملها؟

ولم يقتصر العنف على المسيحيين.

ففي الساحل السوري شهدت المناطق ذات الغالبية العلوية خلال مارس/آذار 2025 موجة واسعة من القتل والعنف. وخلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة لاحقًا إلى وقوع انتهاكات واسعة خلال تلك الأحداث.

كما شهدت محافظة السويداء ومناطق الدروز في يوليو/تموز 2025 أعمال عنف شديدة. وأعلنت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة في تقرير صدر في مارس/آذار 2026 أن أكثر من 1700 شخص، معظمهم من المدنيين الدروز، قتلوا خلال تلك الأحداث، وأن أفعالًا ارتكبتها جهات متعددة قد ترقى إلى جرائم حرب.

ولا يزال التوتر الأمني قائمًا حتى الآن. ففي 6 أغسطس/آب الجاري انفجرت عبوة داخل حافلة صغيرة في جرمانا ذات الغالبية الدرزية قرب دمشق، ما أسفر عن إصابة 14 شخصًا بحسب أحدث المعلومات التي نقلتها رويترز عن وزارة الصحة السورية.

اختبار أمام أحمد الشرع

تضع هذه الأحداث الحكومة التي يقودها الرئيس السوري أحمد الشرع أمام واحد من أصعب ملفات المرحلة الانتقالية: إقناع الأقليات بأن الدولة قادرة على حمايتها وأن نهاية حكم الأسد لن تستبدل نظامًا استبداديًا بصراع ديني أو طائفي جديد.

ويظل أحمد الشرع رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية حتى الآن، بعد أن تولى الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2025 عقب سقوط الأسد.

ومنذ وصوله إلى السلطة، قدمت الحكومة السورية الجديدة مرارًا تعهدات بحماية مختلف مكونات المجتمع وعدم السماح بالاعتداء على المدنيين بسبب هويتهم الدينية أو الطائفية. وأكدت وزارة الإعلام السورية لرويترز في أبريل/نيسان الماضي أن الحكومة ملتزمة بحماية جميع المجتمعات السورية ولا تتسامح مع الاعتداءات على المدنيين.

لكن التحدي بالنسبة إلى المسيحيين وغيرهم من الأقليات لم يعد متعلقًا بالتصريحات وحدها، بل بما إذا كانت الدولة قادرة فعليًا على فرض الأمن ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات ومنع الجماعات المسلحة أو النزاعات المحلية من التحول إلى عمليات انتقام طائفي. وهذا استنتاج تدعمه المخاوف التي وثقتها SVT وتقارير الأمم المتحدة ووكالات الأنباء عن العنف ضد عدة أقليات منذ سقوط الأسد.

الأب جهاد يوسف: علينا منح الحكومة فرصة

ورغم الخوف، يقدم الأب جهاد يوسف داخل دير مار موسى رؤية مختلفة قليلًا.

فهو لا يريد التخلي عن الأمل بالحكومة الجديدة، ويصف الثقة بها بأنها أشبه بـ«قرض» يمنحه السوريون للسلطات، على أن تسدده الحكومة لاحقًا من خلال أفعالها وقراراتها على أرض الواقع.

لكن موقفه الداعي إلى التعايش مع المسلمين لا يحظى بالقبول لدى جميع المسيحيين، بحسب تقرير SVT. فبعد سنوات الحرب والهجرة والهجمات، يرى بعض المسيحيين أن الحديث عن المصالحة سابق لأوانه ما دامت المخاوف الأمنية مستمرة.

في المقابل، يرى يوسف أنه لا يمكن التعامل مع مستقبل المسيحيين وكأنه منفصل عن مستقبل بقية السوريين.

وقال إن «القضية المسيحية ليست قضية مسيحية، بل قضية سورية»، وإن إعادة بناء البلاد يجب أن تتم بصورة مشتركة وليس من خلال وقوف المكونات المختلفة ضد بعضها البعض. وعندما سألته SVT ما إذا كانت المصالحة في سوريا هدفًا واقعيًا بعد كل ما جرى، أجاب بأنه يؤمن بإمكانيتها لأنه «ليس لدينا خيار آخر».

وبذلك يعكس دير مار موسى التناقض الذي تعيشه سوريا اليوم: في مكان واحد يجلس المسلم والمسيحي معًا ويتشاركان الطعام والصلاة، بينما تقف في أماكن أخرى حراسة أمنية أمام الكنائس خوفًا من هجوم جديد.

وبالنسبة إلى مسيحيين مثل ساندرا عوض، فإن السؤال لم يعد فقط عن شكل النظام السياسي الجديد، وإنما عما إذا كانوا سيشعرون بالأمان الكافي للبقاء في البلاد أصلًا. أما بالنسبة إلى الأب جهاد يوسف، فإن البديل عن محاولة بناء الثقة والتعايش هو استمرار الانقسام الذي أنهك سوريا طوال سنوات الحرب.

المزيد من الأخبار ...

..آخر الأخبار ..

جميع الحقوق محفوظة © 2023 منصة دال ميديا الاخبارية