من جريمة ثأر إلى شوارع مشتعلة.. مقتل مقاتل كردي يشعل الشمال السوري وحريق غامض يهز كوباني

الصورة لمظاهرات منددة لجريمة القتل البشعة لمقاتل كردي. الصورة من وسائل التواصل

بدأت القصة باختطاف وقتل مقاتل كردي سابق في قوات سوريا الديمقراطية كان قد انضم حديثًا إلى تشكيل عسكري تابع لوزارة الدفاع السورية، لكنها خلال أقل من يومين تحولت إلى موجة احتجاجات امتدت عبر مدن شمال شرق سوريا، ثم إلى مواجهات واضطرابات في كوباني، قبل أن تتداول مصادر محلية فجر السبت أنباء عن حريق داخل سجن المدينة وسقوط قتلى وجرحى، في تطور يضع مسار الاندماج الهش بين دمشق والمؤسسات الكردية أمام واحد من أصعب اختباراته منذ الاتفاقات الأخيرة.

تعيش المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال وشمال شرق سوريا حالة من التوتر المتصاعد منذ الخميس 10 سبتمبر، إثر مقتل سامي شيخموس حسو، المعروف باسم «سيبان» أو «سيبان حزني»، بعد اختطافه في محافظة الحسكة.

والضحية ليس مجرد عنصر سابق في «قسد». فبعد بدء عملية دمج التشكيلات العسكرية في شمال شرق سوريا، انضم سيبان إلى لواء الحسكةضمن التشكيلات المرتبطة بوزارة الدفاع السورية، وهو ما منح الجريمة بعدًا سياسيًا وأمنيًا يتجاوز قضية قتل جنائية عادية.

ثأر عمره نحو عامين

تتقاطع عدة مصادر على أن خلفية الجريمة مرتبطة بثأر قديم.

فبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، جرى اختطاف سيبان على خلفية اتهامات له بالمسؤولية عن مقتل أفراد من عشيرة البوحسن التابعة لقبيلة البكارة في منطقة جبل عبد العزيز قبل نحو عامين. ومن المهم هنا عدم تعميم المسؤولية على القبيلة أو العشيرة بأكملها؛ الحديث في المصادر يدور عن أفراد يُشتبه في تورطهم، وليس موقفًا جماعيًا للعشيرة.

وتشير روايات محلية إلى أن الحادثة القديمة وقعت عندما كان سيبان يعمل ضمن قوات سوريا الديمقراطية، فيما تقول بعض المصادر إن الاشتباك الذي أدى إلى مقتل أفراد من العشيرة كان مرتبطًا بمواجهة مع مهربين. وهذه الخلفية لم تُحسم قضائيًا حتى الآن، ولذلك تبقى جزءًا من الروايات المتداولة حول سبب الانتقام وليست حكمًا قضائيًا مثبتًا.

وبحسب قيادة الأمن الداخلي في الحسكة، وثقت تسجيلات مصورة عملية الاختطاف، وبعد عمليات بحث عُثر على جثمان سيبان قرب قرية الحلو في ريف رأس العين/سري كانيه.

وقال البيان الأمني إن الجثمان أظهر تعرضه لعدة طلقات نارية مباشرة، وإن السلطات تمكنت من تحديد هوية مشتبه به رئيسي يرمز لاسمه بـ«م.ع»، ولا تزال عمليات ملاحقته مستمرة.

لكن هناك اختلافًا في التفاصيل المتعلقة بطريقة القتل.

فالبيان الأمني الرسمي تحدث عن إطلاق نار متعدد، بينما قال المرصد السوري ومصادر كردية ومحلية إن الضحية تعرض أيضًا للطعن، وتحدث بعضها عن نحره بعد إطلاق النار عليه، إضافة إلى تداول تسجيلات مصورة للجريمة. لذلك فالأدق حاليًا القول إنه قُتل بالرصاص، وسط تقارير غير متطابقة تتحدث أيضًا عن استخدام السكاكين.

الجريمة تخرج الناس إلى الشوارع

انتشار خبر مقتل سيبان والصور والتسجيلات المرتبطة بالجريمة أدى سريعًا إلى موجة غضب واسعة.

وشهدت مدن الحسكة وقامشلو وعامودا والدرباسية ورميلان ومعبدة/كركي لكي وديريك/المالكية وتربسبيه/القحطانية تجمعات ومسيرات طالبت بالقبض على المتورطين ومحاسبتهم ومنع تحول المنطقة إلى ساحة للثأر العشائري.

وفي قامشلو خرج آلاف المتظاهرين في مسيرة انطلقت من دوار سوني باتجاه دوار الشهداء، حاملين صور سيبان ومطالبين بالكشف عن جميع المشاركين في اختطافه وقتله.

أما في عامودا، فقد تطور الغضب لدى بعض المحتجين إلى إنزال أعلام الحكومة السورية ولافتات من مواقع في المدينة، بحسب المرصد السوري، في مؤشر مبكر على انتقال القضية من المطالبة بمحاسبة منفذي الجريمة إلى التعبير عن أزمة ثقة أوسع مع السلطة المركزية.

وفي الوقت ذاته، حاولت شخصيات كردية ومسؤولون محليون احتواء الغضب.

محافظ الحسكة نور الدين أحمد أدان مقتل سيبان وقال إنه وجّه الأجهزة الأمنية والقضائية لملاحقة جميع المتورطين، مؤكدًا أن القانون يجب أن يكون الفيصل. كما دعا مسؤولون كرد إلى ضبط النفس وعدم تحويل الجريمة إلى صراع بين العرب والكرد.

لماذا انفجرت كوباني تحديدًا؟

وصلت الاحتجاجات يوم الجمعة إلى كوباني/عين العرب، لكن مسارها هناك كان أكثر عنفًا.

تقول الرواية الرسمية التي نشرتها وكالة «سانا» إن دوريات الأمن الداخلي انتشرت لتأمين وقفة احتجاجية على مقتل سيبان، قبل أن يقوم أشخاص وصفتهم السلطات بـ«الخارجين عن القانون» بالاعتداء على إحدى الدوريات وعلى مقر لمديرية الأمن الداخلي، ما أدى إلى إصابة عدد من أفراد الأمن. وقالت المديرية لاحقًا إنها عززت وجودها واعتقلت عددًا من المشاركين في الاعتداءات وأعادت الهدوء إلى المدينة.

مصادر أخرى تحدثت عن اقتحام مبانٍ أمنية وإضرام النار في أحدها، فيما أعلنت قوى الأمن في المدينة حظر تجول شاملًا ودعت السكان إلى البقاء في منازلهم.

لكن في مقابل الرواية الرسمية، ظهرت رواية أخرى تفسر جزءًا من الانفجار داخل المدينة.

فبحسب تقرير نقله موقع Kurd Online عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، وثقت عدسة المرصد عناصر من الأمن العام وهم يرددون خلال التوترات هتافات سياسية وقومية اعتبرها المحتجون استفزازية، من بينها عبارات تستهدف «روج آفا» وقنديل.

وهذه النقطة مهمة، لأنها تساعد على تفسير سبب انتقال احتجاج بدأ بمطلب محاسبة قتلة سيبان إلى مواجهة مباشرة مع قوى أمنية داخل كوباني.

لكنها لا تبرر الاعتداء على المؤسسات أو القوات الأمنية، تمامًا كما أن أعمال العنف لا تلغي ضرورة التحقيق في أي خطاب استفزازي صدر عن أفراد في الأجهزة الأمنية.

ثم جاء خبر السجن

فجر السبت، دخل عنصر جديد وأكثر خطورة إلى المشهد: حريق داخل سجن في كوباني.

تقارير مفتوحة المصدر بدأت تتداول قرابة الساعة الواحدة والنصف بتوقيت غرينتش أن حريقًا اندلع داخل السجن وأدى إلى مقتل ثمانية نزلاء على الأقل وإصابة آخرين.

كما تداولت حسابات وصفحات محلية أرقامًا تتحدث عن إصابة عشرات السجناء. إلا أنني، حتى لحظة إعداد هذا التقرير صباح السبت 12 سبتمبر، لم أجد بيانًا رسميًا من وزارة الداخلية السورية أو إدارة كوباني أو جهة طبية مستقلة يؤكد حصيلة الثمانية أو رقم «العشرات» من المصابين.

المصدر المفتوح الذي تمكنت من التحقق منه يقول بوضوح إن حصيلة الثمانية مصدرها تقارير OSINT ومصادر إعلامية ومنشورات ذات توجه كردي، ويقر بنفسه بأن الأرقام ونسب المسؤولية لم تؤكدها بعد وكالات دولية أو مصادر مستقلة كبرى.

لذلك من المبكر صحفيًا كتابة: «مقتل ثمانية سجناء» باعتبارها حقيقة نهائية.

الأدق حاليًا هو:

«أنباء أولية تتحدث عن مقتل ثمانية سجناء في حريق داخل سجن كوباني، من دون تأكيد رسمي حتى الآن».

هل كان هناك خلاف على نقل السجناء؟

تتحدث الروايات المتداولة نفسها عن أن الحريق سبقته أزمة بشأن محاولة نقل سجناء من كوباني إلى حلب.

وبحسب تقارير OSINT، رفض عناصر محليون من الأسايش وعدد من السجناء عملية النقل، وسط مخاوف من الظروف التي قد يواجهها المعتقلون بعد نقلهم.

لكن هذه التفاصيل أيضًا لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي مستقل حتى الآن، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها رواية أولية لا حقيقة مكتملة.

كما أنه لا توجد معلومات موثوقة حتى الآن عن هوية السجناء الذين كانوا داخل القسم الذي اندلع فيه الحريق أو طبيعة القضايا الموقوفين بسببها.

وهذه نقطة مهمة، لأن ربط الحادث تلقائيًا بسجناء تنظيم «داعش» سيكون غير دقيق من دون دليل. كوباني ومناطق شمال شرق سوريا تضم منشآت احتجاز مختلفة، لكن المصادر المتاحة حول حريق الليلة لم تحدد طبيعة السجن أو هوية الضحايا بما يسمح بهذا الاستنتاج.

لماذا تتجاوز القضية مقتل شخص واحد؟

القضية تأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للعلاقة بين دمشق والقوى الكردية.

ففي مارس 2025 اتفقت دمشق و«قسد» على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن الدولة، ثم جرى التوصل في يناير 2026 إلى ترتيبات أكثر تفصيلًا شملت وقفًا لإطلاق النار ودمج القوات والأجهزة الأمنية تدريجيًا.

ونص الاتفاق على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى لواء من قوات كوباني يتبع لتشكيل مرتبط بمحافظة حلب، وعلى دخول قوات محدودة من وزارة الداخلية إلى المدن مع دمج أجهزة الأمن المحلية تدريجيًا.

وفي فبراير بدأت بالفعل وحدات من الأمن السوري دخول كوباني والتنسيق مع الأسايش، فيما بقيت قوى الأمن المحلية فاعلة ضمن مرحلة انتقالية معقدة.

وهذا تحديدًا ما يجعل أحداث الساعات الماضية شديدة الخطورة.

فالطرفان اللذان يفترض أن يندمجا داخل مؤسسة أمنية واحدة وجدا نفسيهما أمام احتجاجات شعبية، ومقار تتعرض للهجوم، وهتافات قومية متبادلة، وحظر تجول، ثم حريق داخل منشأة احتجاز وسط روايات متعارضة حول المسؤوليات.

أي أن الأزمة لا تختبر فقط قدرة الأمن على ضبط الشارع، بل مدى قدرة عملية الدمج نفسها على الصمود عندما تقع أول أزمة مجتمعية كبيرة ذات بعد كردي–عربي.

الخطر الأكبر: تحويل الجريمة إلى صراع كردي–عربي

الجانب الأكثر حساسية في القضية هو محاولة قراءة الجريمة باعتبارها مواجهة بين «الكرد» و«العشائر العربية».

المعلومات المتاحة لا تسمح بهذا التعميم.

الجريمة، بحسب التحقيقات الأولية، مرتبطة بأفراد يُشتبه في انتمائهم إلى عشيرة محددة وبخلفية ثأر قديمة. وفي الوقت نفسه صدرت دعوات من شخصيات كردية ومن جهات محلية لعدم تحميل المكون العربي أو القبائل والعشائر مسؤولية جماعية عن فعل أشخاص بعينهم.

المرصد السوري نفسه كان قد وثق خلال عام 2026 تصاعدًا كبيرًا في جرائم الثأر والاقتتال العائلي والعشائري في مناطق سورية مختلفة، وليس فقط في المناطق الكردية؛ فقد أحصى حتى مطلع سبتمبر أكثر من مئة اقتتال عائلي وعشائري أوقع عشرات القتلى ومئات الجرحى.

ولهذا فإن أخطر سيناريو الآن هو أن تتحول جريمة ثأر فردية أو عائلية إلى خطاب انتقام قومي متبادل، خصوصًا في منطقة خرجت حديثًا من سنوات الحرب وتحاول بناء صيغة جديدة للعلاقة بين مؤسسات الدولة والقوى المحلية.

ما هو المؤكد حتى الآن وما الذي يحتاج إلى انتظار؟

حتى صباح السبت يمكن تثبيت الآتي:

المؤكد: اختطاف وقتل سامي شيخموس حسو «سيبان»؛ أنه كان مقاتلًا سابقًا في قسد ثم أصبح ضمن لواء الحسكة؛ وجود شبهة ثأر مرتبطة بأفراد من عشيرة البوحسن؛ تحديد مشتبه رئيسي وملاحقته؛ خروج احتجاجات واسعة في مدن الحسكة؛ وقوع اضطرابات واعتداءات على مقار وقوى أمن في كوباني؛ انتشار أمني وفرض حظر تجول.

أما غير المحسوم: العدد النهائي لضحايا حريق السجن، سبب اندلاع النيران، من أشعلها، ما إذا كان ثمانية أشخاص قد قتلوا فعلًا، عدد المصابين، وما إذا كانت محاولة نقل السجناء إلى حلب قد حدثت بالطريقة التي تصفها المنشورات المتداولة.

ولهذا قد تكون الساعات المقبلة أكثر أهمية من الليلة الماضية نفسها، إذ إن صدور بيان رسمي حول السجن أو ظهور قوائم بأسماء الضحايا سيحدد ما إذا كانت كوباني أمام حادث أمني يمكن احتواؤه، أم أمام أزمة جديدة قد تعيد إشعال الشارع في مناطق أخرى من شمال شرق سوريا.

المزيد من الأخبار ...

..آخر الأخبار ..

جميع الحقوق محفوظة © 2023 منصة دال ميديا الاخبارية