بعد مرور أكثر من عام على دخول القانون السويدي الجديد المتعلق بتغيير الجنس المسجل رسميًا حيز التنفيذ، لا يزال القانون يثير خلافًا عميقًا بين أحزاب تعاون تيدو، وسط تمسك حزب الليبراليين بالإصلاح، ومطالبة حزبَي ديمقراطيي السويد والمسيحيين الديمقراطيين بإلغائه، في حين يريد حزب المحافظين مراجعته وإدخال تعديلات محتملة عليه.
ووفق أرقام هيئة الشؤون الاجتماعية السويدية «Socialstyrelsen» التي نشرتها قناة SVT، تلقت الهيئة 1979 طلبًا لتغيير الجنس القانوني خلال الفترة الممتدة من الأول من يوليو/تموز 2025 وحتى 31 مايو/أيار 2026، أي خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من تطبيق القانون الجديد.
ومن بين هذه الطلبات، قدم 271 طلبًا لأشخاص تقل أعمارهم عن 18 عامًا. ووافقت الهيئة على نحو 89 في المئة من إجمالي الطلبات، في حين رُفضت ثلاثة في المئة، بينما لم تكن بقية الطلبات قد سُجلت حتى نهاية الفترة باعتبارها مقبولة أو مرفوضة، إما لكونها لا تزال قيد المعالجة أو لم تستكمل إجراءات تسجيل القرار.
وتظهر الإحصاءات كذلك أن 54 في المئة من الطلبات تعلقت بأشخاص يريدون تغيير تسجيلهم القانوني من ذكر إلى أنثى، في حين شملت النسبة المتبقية بصورة أساسية طلبات التغيير من أنثى إلى ذكر. ولا تعني هذه الأرقام أن أصحاب الطلبات خضعوا أو يعتزمون الخضوع لعمليات جراحية أو علاجات طبية، لأن القانون الجديد فصل بصورة واضحة بين تغيير الجنس في السجلات الرسمية وبين الرعاية الطبية المؤكدة للجنس.
ارتفاع واضح في عدد الطلبات
قبل تطبيق القانون الجديد، كانت هيئة الشؤون الاجتماعية تتلقى سنويًا ما بين 300 و600 طلب تقريبًا. لكن المقارنة المباشرة ليست كاملة، لأن النظام السابق كان يجمع بين طلبات تغيير الجنس القانوني وبعض طلبات الحصول على تصاريح لإجراء تدخلات جراحية، بينما أصبحت العمليتان منفصلتين بموجب التشريع الحالي.
وقال توماس ليندين، رئيس قسم في هيئة الشؤون الاجتماعية، إن الارتفاع الكبير قد يكون ناتجًا جزئيًا عن وجود أشخاص كانوا ينتظرون دخول القانون حيز التنفيذ حتى يقدموا طلباتهم، وهو ما أدى إلى تراكم أولي للطلبات خلال الأشهر الأولى. وأضاف أن مستوى الطلبات المسجل يتوافق تقريبًا مع ما كانت الهيئة تتوقعه.
وأوضح ليندين أن غالبية الطلبات مستوفية للشروط، وأن كثيرًا من المتقدمين يريدون فقط تعديل الجنس المسجل رسميًا من دون إجراء تغييرات جسدية أو الخضوع لتدخلات طبية.
ماذا يسمح به القانون الجديد؟
دخل قانون تحديد الجنس في بعض الحالات، المعروف في النقاش العام باسم قانون الانتماء الجنسي، حيز التنفيذ في الأول من يوليو/تموز 2025. ويتيح للأشخاص الذين بلغوا 16 عامًا التقدم بطلب لتغيير الجنس المسجل في سجل السكان، بعد إجراء تقييم مبسط لهويتهم الجنسية.
ولا يشترط القانون أن يكون المتقدم قد حصل على تشخيص طبي باضطراب الهوية الجنسية، كما لا يشترط دخوله في برنامج للرعاية المتخصصة أو خضوعه لعلاج هرموني أو جراحي. لكنه لا يقوم في الوقت نفسه على التصريح الشخصي وحده، إذ يجب إرفاق الطلب بشهادة صادرة عن مختص صحي مخول بذلك.
ويحق لطبيب مرخص أو اختصاصي نفسي أو معالج نفسي أو اختصاصي اجتماعي يعمل في الرعاية الصحية إصدار الشهادة. ويتعين على المختص تقييم شرطين أساسيين: أن يكون الجنس المسجل حاليًا غير متوافق مع الهوية الجنسية التي يعيشها الشخص، وأن يكون من المتوقع أن يستمر الشخص في العيش بهذه الهوية خلال فترة زمنية يمكن توقعها.
بعد الحصول على الشهادة، يُرسل الطلب إلى هيئة الشؤون الاجتماعية، التي تراجعه وتتخذ قرار القبول أو الرفض. وعند الموافقة، ترسل الهيئة القرار إلى مصلحة الضرائب السويدية «Skatteverket»، التي تعدل الجنس ورقم الهوية الشخصية في سجل السكان. ويمكن الطعن أمام المحكمة في حال رفض الطلب. وتبلغ مدة معالجة الطلب المكتمل حاليًا نحو شهرين، بحسب الهيئة.
وبالنسبة إلى من تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عامًا، يجب أن يقدم الأوصياء القانونيون الطلب ويوقعوا عليه، كما يتعين على القاصر نفسه الموافقة والتوقيع. أما الأشخاص البالغون فيقدمون الطلب بأنفسهم.
ولا يستحدث القانون جنسًا قانونيًا ثالثًا في السويد، إذ يبقى التسجيل الرسمي محصورًا بين ذكر وأنثى. لكن يمكن للأشخاص غير الثنائيين التقدم لتغيير تسجيلهم إلى الجنس القانوني الآخر، إذا كان ذلك التسجيل أكثر توافقًا، أو أقل تعارضًا، مع هويتهم الجنسية.
ثلاثة مواقف داخل تعاون تيدو
الخلاف حول القانون لا يدور بين الحكومة والمعارضة فقط، بل يشق الأحزاب التي تعاونت في إطار اتفاق تيدو.
زعيمة حزب الليبراليين سيمونا موهامسون وصفت الإصلاح بأنه تاريخي، وأكدت أن حزبها سيواصل الدفاع عن القانون بعد الانتخابات. وترى أن التشريع يمثل تحديثًا طال انتظاره ويسهل حياة كثير من الأشخاص الذين لا يتطابق جنسهم القانوني مع هويتهم الجنسية.
في المقابل، يريد كل من حزب ديمقراطيي السويد وحزب المسيحيين الديمقراطيين إلغاء التشريع. وقالت زعيمة المسيحيين الديمقراطيين إيبا بوش إن حزبها يريد تعزيز حقوق الأشخاص المتحولين جنسيًا، لكن ليس من خلال السماح بتغيير الجنس القانوني من دون تشخيص واضح، معتبرة أن تحسين الرعاية الوطنية الموحدة لهذه الفئة يمثل الطريق الأفضل.
أما حزب المحافظين، الذي صوت لصالح القانون عند إقراره، فلا يطالب حاليًا بإلغائه بالكامل، لكنه يريد فتح مراجعة واسعة للتشريع ودراسة إدخال تعديلات عليه.
وكان رئيس الوزراء أولف كريسترشون ووزير العدل غونار سترومر ووزيرة الخدمات الاجتماعية كاميلا فالترسون غرونفال قد أعلنوا في يناير/كانون الثاني 2026 رغبتهم في إجراء تحقيق يراجع القانون وآثاره العملية.
ويريد المحافظون دراسة الحالات التي ينبغي فيها اعتماد الجنس البيولوجي بدلًا من الجنس القانوني، بما في ذلك إيداع المحكومين في السجون، واستخدام غرف تبديل الملابس، والمشاركة في المسابقات الرياضية. كما فتح الحزب الباب أمام تقييد قدرة بعض الأشخاص المدانين بجرائم على تغيير جنسهم القانوني، في حال وجود خطر لاستغلال النظام.
وأكد وزير العدل أن السلطات اتخذت قبل تطبيق القانون تدابير لضمان استمرار قدرة الشرطة على تتبع الأشخاص في سجلات الجرائم والاشتباه، حتى بعد تغيير الرقم الشخصي، كما مُنحت مصلحة السجون مساحة أكبر لتقديم الاعتبارات الأمنية عند اتخاذ قرارات الإيداع. لكن المحافظين يريدون متابعة ما إذا كانت الضمانات تعمل كما كان مخططًا لها.
قانون مرّ خارج المسار الحكومي المعتاد
أقر البرلمان السويدي القانون في 17 أبريل/نيسان 2024 بأغلبية 234 صوتًا مقابل 94 صوتًا، مع غياب 21 نائبًا. وصوت ديمقراطيو السويد والمسيحيون الديمقراطيون ضد المقترح، بينما دعمه بصورة عامة المحافظون والليبراليون وأحزاب الاشتراكيين الديمقراطيين واليسار والوسط والبيئة.
ولم يصل القانون إلى البرلمان في صورة مشروع حكومي تقليدي، بل جاء بمبادرة من اللجنة الاجتماعية في البرلمان. ويعكس هذا المسار حجم الخلاف الذي كان قائمًا منذ البداية داخل أحزاب تيدو، بعدما عجزت الأحزاب المتعاونة عن الاتفاق على موقف حكومي موحد.
وعند إقرار القانون، وجه البرلمان أربعة طلبات إلى الحكومة تتعلق بإصدار اللوائح اللازمة، وإعداد دعم معرفي وطني للعاملين في الرعاية الصحية، ومنع استخدام القانون في أغراض إجرامية، ومتابعة كيفية تطبيقه وآثاره. وذكرت الحكومة لاحقًا أنها نفذت هذه المطالب.
كما كُلفت هيئة تحليل الرعاية والخدمات الاجتماعية بمتابعة تطبيق القانون وتقييم نتائجه خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ما يعني أن التقييم الرسمي الشامل للقانون لا يزال في مراحله الأولى، وأن الأرقام المنشورة حتى الآن تغطي أقل من عام كامل من الطلبات.
الانتخابات قد تحدد مصير القانون
تقف أحزاب تعاون تيدو الآن أمام مواقف يصعب التوفيق بينها: الليبراليون يريدون الحفاظ على القانون، والمسيحيون الديمقراطيون وديمقراطيو السويد يريدون إلغاءه، بينما يريد المحافظون مراجعته وتغيير بعض أجزائه.
أما أحزاب المعارضة البرلمانية، فتؤيد بقاء القانون وفق تقرير SVT، ما يجعل أي محاولة لإلغائه بعد الانتخابات مرتبطة بتشكيلة البرلمان الجديد وقدرة الأحزاب الرافضة على جمع أغلبية كافية.
وبذلك لا يتعلق الخلاف بعدد الأشخاص الذين استفادوا من القانون فقط، بل يمتد إلى أسئلة تتعلق بحقوق الأفراد، وسلامة النساء، والسجون، والرياضة، والقاصرين، ودور التقييم الطبي وحدود العلاقة بين الجنس القانوني والجنس البيولوجي.
وبعد 1979 طلبًا ونسبة موافقة تقترب من 90 في المئة خلال الأشهر الأولى، أصبح القانون واقعًا إداريًا يُطبق يوميًا، لكن مستقبله السياسي بعد الانتخابات لا يزال غير محسوم.
المصدر: SVT



























